الخميس، 14 مارس 2019

قراءة نقدية لنص الشيخ الشاعر احمد الخليلى :بقلم الاديب إحسان الموسوي البصري

قراءة نقدية
لنص الشيخ الشاعر احمد الخليلى :
الاديب إحسان الموسوي البصري
**************************************
ليس الحديث عن الشعر وتحديد معناه أمرا يسيرا في ضوء النظريات النقدية الحديثة من حيث تعدد وجهات النظر المختلفة تبعا لاختلاف مذاهب الشعراء الفكرية والفلسفية.
فمن الشعراء ما كانت قصائده مستوحاة من الطبيعة إيمانا بمقولة أفلاطون الخالدة(إن الفن محاكاة للطبيعة).
ومنهم من ذهب إلى تجسيد واقعه الإجتماعي والسياسي والاقتصادي على القرطاس بانهمار منقطع النظير ، معتقدين بذلك إن هذه الظاهرة ليست نوعا من اللهو بل هي نشاط ذاتي يهدف إلى خلق بيئة أخلاقية واعية ، أو بالأحرى أداة لتحقيق الترابط الإجتماعي من خلال الاندماج مع متطلبات وأحاسيس أبناء المجتمع .
وأعتقد القسم الثالث أن القصيدة تعبير عن رغبات الشاعر المكبوتة وتنفيس عن ذاته السجينة في أكثر الأحوال ، وذهب إلى ذلك "فرويد" وتلاميذه.
إذا فالقصيدة إبداع ونشاط خلاق يُستجلى الجمال من بين سطورها بما تتضمنه من دلالات ومعان جاءت وفق رؤية الشاعر الذاتية المفعمة برهافة الإحساس والقدرة على نقل تلك الأحاسيس إلى ذهن المتلقي بكل سهولة ويسر.
ولعل هذا ماجعلني أقف بإجلال إزاء نص شعري كبير ولم أمر من أمامه مرور الكرام.
فأنا الآن أقف مباشرة أمام قصيدة نثرية لشاعر خصه الله تعالى بإحساس مرهف وانفعال قوي ووجدان عميق.
ولعلي أحيط بجوانب هذا النص الرائع المترامي الأطراف.
حيث انني كلما تغلغلت في بواطنه متلمسا جذوره يخيل إلي انني شاهدته للمرة الأولى ، مع أنني شاهدته مرات ومرات.
ولأجل تسجيل المظاهر الحية والولوج مجددا إلى الصور الحيوية والحقائق الموضوعية في هذا النص دعونا نتلمس عن قرب صدق هذا الشاعر وإخلاصه في التعبير عن مشاعره وعواطفه وآرآئه ، والإعلان عن مهارته الخاصة وذوقه الشخصي .
نص الشاعر:
********************
على شفا حال مستعارة:
*******************
حرمان
يشب حتى الريق
فيخنق صهد الزفير الشهيق
يا بشرة الوقت يا وجهى
أكنتِ دمية أضرب فيها
كل حرمانى ؟ !
أم كنتِ الصديق ؟
أكنتِ فى ظن احتمالاتى قيودى
أم كنتِ الطريق ؟ !
يا نديا جففته
الشمس المارقة
يا حيرة النفس
يا مجهة حارقة
متى يصطفى الأيك
طير العصافير ؟!
متى تنام عين التدابير ؟!
عن صبية يلعبون فى براح الوقت
ينثرون الروح حبا فإذا الثرى
حياة تدب وعطر يفوح
هكذا انفصامى أحبه
وهكذا ألف مليون أنا !! معذبون
ومطروحون وطارحون
صنارات الأمل فى محيطات المنى
ومحيطات المنى باتت
بلا سمك بلا صدف
باتت والملح فيها بلا خبز
وبقايا جماجم
سرقت منها الحياة
هكذا انفصامى أحبه
وهكذا ألف مليون أنا
وحيدون فى وحشة الحياة
نستأذن الإرهاق فى خطانا
لنترك طوق النجاة
فى الورقة رسمت عصر المستحيل
فقط على الورقة
رسمت السلحفاة
أمنة بلا درقة
قطعت الورقة بعد فرحة
رميتها وبهجتى محترقة
هناك فى القاهرة وحيداً
يبحث عنها
وهنا وحيداً أزوره
أجده وحيداً على سريره
وزوجه وحيدة على خدها يدها
رأيت الممشى وحيداً تلهب خده
الشمس
وجدت النخيل وحيداً
يرسل الظل والوجد وحيدا
وجدته على كل الوجوه
فى متحف الخريف
على شاطىء الطمى الزلال
وعلى شفا حال مستعارة
تصرخ الإنارة والعمارة والإمارة
وعلى كل الوجوه ابتسامة
كأنها أخدود حفرته الفؤوس
كأنما أحلى منها العبوس
هكذا انفصامى أحبه
وهكذا ألف مليون أنا
معذبون ولولا عذابنا
يا ألف مليون يا أنا
ما كان للحياة أن تهون
ولو لم تهن الحياة
فما أقسى أن غيرها يهون"
في هذا النص المتخم بالاحتجاج والإشارات والالماحات مجاز ترميزي وشعور عميق بخيبة الأمل حد أن يكون جلد الشاعر وبشرته إطارا للتجربة الزمكانية المعاصرة بكل مافيها من خيبات أمل وشعور بالمرارة والإحباط .
ثم إن النص ملئ بقراءة الذات والماحول الواقعي ،وهو متراص لاتوجد فيه فجوات ايقاعية، ويندر ان نعثر على نثر ايقاعي بهذه السلاسة.
"يانديا جففته الشمس المارقة
ياحيرة النفس
يامهجة حارقة"
مفردات تميزت بالدقة والوضوح ، إذ إن الأسلوب في هذا النص غاية في نفس الشاعر وتعبير عن مكنونات ذاته وكل كلمة فيه أدت غرضها من الناحية المعنوية والبلاغية والموسيقة.
حيث اتخذ من الترميز مجالا واسعا للتعبير عن أفكاره.
"حياة تدب وعطر يفوح
هكذا انفصامي أحبه
وهكذا ألف مليون !!
معذبون
ومطروحون وطارحون "
لقد أسهب الشاعر في تصوير لوعته وظمئه إلى رؤية فجر جديد ،فكان يصعب عليه أن يخفي صوته في مثل هذه الظروف ، وأن يلبي مطالب مجتمعه على الأقل من خلال منبر عاطفي ثوري يهدف إلى استنهاض وبعث العزائم في النفوس ، واستصراخ ضمائر الذين يقتعدون زوايا حجراتهم مكتفين.
"
وجدت النخيل وحيدا
يرسل الظل والوجد وحيدا
وجدته على كل الوجوه
في متحف الخريف
على شاطئ الطمى الزلال
وعلى شفا حال مستعارة
تصرخ الانارة والعمارة والامارة "
إسلوب شعري رفيع المستوى،دائم الحيوية ، من خلال طريقة التعامل مع كتابة النص التي اتقنها الشاعر، فمن خلال الفكرة المتبلورة في خياله اتسعت متطلبات رؤاه لاشباع الرغبات حتى بلغت في الغالب معظم القصيدة ، وكأنها كلمة واحدة لمعان متعددة ترتبط بغاية جزئية خفية في نفسه.
وحتى لاتنفد طاقته الشعرية فينحسر غرض القصيدة في مقدمتها ووسطها تأتي الخاتمة متنامية متعددة التوظيف والترميز.
"
وعلى كل الوجوه ابتسامة
كأنها أخدود حفرته الفؤوس
كأنما أحلى منها العبوس
هكذا انفصامي أحبه
وهكذا ألف مليون أنا
معذبون ولولا عذابنا
ياألف مليون أنا
ماكان للحياة أن تهون
ولو لم تكن الحياة
فما أقسى أن غيرها يهون"
إن هذا الاسلوب كفيل بأن يعبر عما يريده الشاعر من ادراك للمجهول والوصول إلى أعماق اللاوعي والتعبير عن المشاعر الخفية الغامضة ، فكانت النهاية والبداية مبنية على الإيحاء بدلا من الإفصاح ، والتلميح بدلا من العرض .
فقد استطاع من خلال هذا الطرح أن يولد المعاني في ذهن القارئ ، يقول "مالاراميه " عن الشعر (يجب أن يكون وصفيا لاروائيا، بل أيحائيا )
وفي الختام أقول إن هذا الشاعر المجيد وصل بخياله إلى درجة التوقد حينما رسم صورته الشعرية بهذا الشكل االرائع كلوحة ستظل تحتفظ بجمالها عبر مئات السنين لأنه صاحب رؤية حيوية بصيرة على مستوى الذات والموضوع التي أحتشد بها النص من المداخل وحتى الخواتيم.
أتمنى لأخي الشاعر أحمد الخليلي التوفيق والنجاح في مسيرته الأدبية والشعرية الحافلة بالإبداع..

زوايا نظر مغنية لنص الشاعرة رغد اسليم ( اجنحة السراب)


هذه زوايا نظر مغنية 
لنص نثري واحد:
أروع مافيها هذا التنوع الجميل الذي يثري الذائقة كما ويمنح النص ذاته آفاقاً واسعة في التاويل والتلقي ربما لم تخطر على بال الشاعرة الشامية رغد اسليم..
اذن فنحن مع الاستاذ محمد الدمشقي..
الاستاذ القيس هشام..
الأستاذ هيثم رفعت..
بعض القراءات الراقية التي حظي بها نصي المتواضع أجنحة السراب .....
خالص الشكر والتقدير والامتنان شاعرنا الراقي محمد الدمشقي وشاعرنا الراقي القيس هشام وسندباد الحرف شاعرنا الراقي هيثم رفعت

قراءة الشاعر المبدع أمير الياسمين محمد الدمشقي
نص مؤثر فيه تجديد في اسلوب رغد و بحث عن حالة رمزية مختلفة مع بقاء الحالة السريالية الضبابية التي تميز حرف اميرة النقاء رغد
المشهد الاول توصيف و توطئة رمزية تبدو غامضة قليلا و السبب انها تريدنا ان نصل اليها بمتابعة باقي النص .... هناك ثالوث بدأ منه النص ( الريح و الزمن و الذاكرة )
الريح بساط ... بمعنى انها تطير بنا الى حيث لا ندري
و الزمن رفيق اي انه يبقى يحاصرنا بقوة
و الذاكرة اعتبار لمن يعتبر
و لا اظنني من المعتبرين
ربما هو جنوننا و عدم تعلمنا من تجارب سابقة مع من نحب لاننا نتمسك بامل عودتهم و بقائهم معنا و حولنا
و لهذا تابعت فقالت
في كل ليلة و يوم
تنكأ جراحي عقربة
و بعض اصابعي
ندم من جهة مجهولة
و لكنني حتى اللحظة الراهنة
لم اعلم كيف
أتعثر دائما و اعود ادراجي
مقطع سردي جميل يحكي عن وجعنا في الحب حيث نندم و نعاني و نعود لنفس الحفرة ثانية و نعيد الكرة و لا نعتبر فالحب طاقة دافعة تجعلنا غير ابهين بما سيحدث لنا ان خضنا غماره فنعود ادراجنا عدة مرات و ربما هو نداء الحنين و الرغبة في نكران الهزيمة لا احد يدري
و ياتي المقطع التالي ليلخص لنا مظاهر صحوة بعد وجع
ايقنت انني خارج المشهد الان
و ان الريح التي حملتني
كانت غريبة
و ان الزمن الذي رافقني
كان عدوا
و ان ذاكرتي التي رتقتها الف مرة
كانت مثقوبة
و ما عاد في يدي
الا احلام القصيدة
تلك التي تقف معي
على مسامير الدهشة
مقطع موجع و معبر و رائع ...
الريح الغريبة حملتها الى المجهول
الزمن عدو متربص بنا ياخذنا الى الموت و الوجع دون ان نقاومه
و الذاكرة مثقوبة و النسيان وهم كبير
و القصيدة التي نختبئ فيها تقف على المسامير وجعا و دهشة من خيبات الحياة
علي ان ادفن قلبي قبل الضوء
ان اكسر جرة الرتابة
اتحرر من اجنحة السراب
و حنين القصب
هل هي الادوات التي تشفينا من الذاكرة العنيدة و الوقوع في نفس الحفرة ... ان ندفن نداءات القلب و الاحلام و الاجنحة المستعارة من الحب و الرتابة في الجري وراء السراب و كسر هذا الحنين الذي يبعثرنا ؟
و تاتي القفلة بالحنين الى الوطن و الى الامان الاول قبل ان تتغرب الروح فربما يكون هناك الشفاء من كل الجراح
نص مؤثر و حزين فيه دمع صادق جدا يا اميرة النقاء
...............................................
قراءة شاعرنا الراقي القيس هشام
" أجنحةُ السراب "
نذهب والعين معماة نحو السراب دائما تحدونا تلك الرغبة في الرواء ...،
هذا كمعنى لظاهرة السراب ...،
هنا كانت القطفة الشعرية مائزة ومختلفة فالسراب في صورة محلقة هو الذي يحيط بنا ويلج حياضنا وكأنه خلق لنا فالسراب يحلق كطائر عنيد لا ليرافقنا وفقط بل ليدثر بالوهم والشتات أحلامنا فيغتالها في مهدها ..،
عبر هذا التجسيد لظاهرة تعد هذيان بصري ترتفع نبضات القصيدة عبر تحليق
الصورة بروعة لنلج النص مع هذا الهرموني التصويري الرائع ...،
الريحُ
والزمنُ
وذاكرتي التي رتقتُ فتقها
ألفَ مرةٍ
نحبو سوياً على ساحلِ الحياة
الريحُ بساطٌ
والزمنُ رفيقٌ
والذاكرةُ اعتبارٌ لمن يعتبر
ولا أظنني من المعتبرين
" الريح ... الزمن "
الريح عكس الرياح كمعنى وهي دقيقة المعنى هنا ...،
فالريح هوجاء عاتية ترمز لهذا الكم الهائل من الصعوبات والأشجان التي تحيط بتلك الروح ...،
يؤكدها لفظ " الزمن" للتعبير عن أوراق العمر التي مهرت ريح الخريف أعناقها بعد قطف من أغصانها ...،
ولأن العمر سجال من الأحداث ما بين الحلاوة والمرارة هنا نغرق بين سطور الذكريات التي تعج بها الذاكرة وتحاول ترميم حجارة حروفها ومحو
ركام الشجن ...،
هنا تُفصل الثالوث " الريح .. الزمن ... الذاكرة "
هذا البساط ليس بساط ألف ليلة وليلة المصنوع - كما الأسطورة - من شعر ألف ساحر وساحر ...،
كلا هنا الريح بكل ما بها وتعني كمعنى من قوة عاصفة غاشمة ورمزيتها التي تعبر عن العذابات التي واجهتها هي بساط من هراث الألم والشجن ...،
والرفقة فنحن نحمل سنوات عمرنا على كاهلنا بكل ما لها وما عليها وما بها فترافقنا أبد الدهر ....،
والذاكرة هي تذكرة قد نتعلم منها ونعتبر ولكننا في أمور كثيرة نعيد الكرة من جديد دون النظر لما كان من عواقب ...،
أو لأننا قد نغفر لروح ما أو لفئة من البشر ما كان منهم وهنا قد تعاتبنا ذاتنا كيف نفعل فنصم الأذن ونستمر ...،
هنا ديمومة الأمل الذي يرنو للحياة مع تعامي الروح عبر دوامة السراب الذي يطيح بالأحلام عند نقطة الوصول ...،
ولكن يبقى السؤال حائر على أفريز حنجرة الحرف ...،
أمازال المطر هاطلا
بالأماني كما كان ...؟!!
أخت القيس الشاعرة الرائعة رغد اسليم
نص رائع عبق بالصور المحلقة قوي النبرة عميق الفكرة ..،
دمت بهذا الإبداع والألق ..
.....................................
قراءة سندباد الحرف الرائع شاعرنا المبدع هيثم رفعت
جودة النص تعني أن يتسع لأفكار ومشاعر القارئ بحسب ثقافته وقدرته
هكذا هو النص النثري الممتع والمفتوح التأويل
وهنا كانت شاعرتنا ومنذ عتبة النص أجنحة السراب في مواجهة مع مشاعر الكاتب أو الشاعر
أو كل من ينتمي إلى سماء البوح وهنا تطرح السؤال الداخلي الذي أرق وما زال يؤرق الذات
ولكن طرحته بشكل غير مباشر ويستفاد رمزياً وتأويلياً
وهو هل الكتابة - بأعتبارها لحظة لأحلام اليقظة - هي من أجنحة السراب ؟
وهنا كان الثنائي الضدي / الأجنحة تعني الحقيقة و التحرر والانطلاق والخلاص وفيها قدر كبير من النشوة والمتعة ، السراب يعني الضلال والفقد والحيرة والندم والحسرة ..الخ
وهنا كانت المقابلة أو الصراع النصي ليس فقط في معرض النص بل من داخل عقل محبرة شاعرتنا ، وهنا تحدثت بلغة الأجنحة المحترقة ووقودها التذكار و الزمن
وهي في حالة صراع دائم مع الريح وهي رمز متعدد المقاصد والمعاني اختارته شاعرتنا بكل حنكة وذكاء ليشكل بؤرة النص ومحور انطلاقاته؛ لتعبر عن ذاتها كحالمة وشاعرة محملة بالكثير من الخيبات ربما لأن الريح غادرة وكم خذلتنا في أفق أو سماء كثيفة الغيوم وهذا المعني هو خلاصة رحلة الحياة الغير آمنة إلا بين أو في أحضان الأم التي استحضرتها شاعرتنا في آخر النص بقولها :
يازيتونةَ الدارِ
يا يمامةَ أبي الصباحية
أما زال المطرُ هاطلاً
بالأماني
مثلما كان
وهنا قد يرى القارئ العجول أن هذه المشهدية دخيلة على أفكار النص ، وبقدر من التأمل والربط نجد المعنى ونفهمه عبر التشكيك في كل شيء - أجنحة السراب - ليظل دفء وحضن الأم هو الحقيقة الثابتة والتي لا تتغير ابداً وفوق هذا هي رغبة مشاعر النص من فقد الأمان والثقة في كل شيء .
نص من مداد السهل الممتنع و الأناقة
كل المنى بدوام التميز والألق
أختي العزيزة محبتي والورود &
......................................
أجنحةُ السراب
الريحُ
والزمنُ
وذاكرتي التي رتقتُ فتقها
ألفَ مرةٍ
نحبو سوياً على ساحلِ الحياة
الريحُ بساطٌ
والزمنُ رفيقٌ
والذاكرةُ اعتبارٌ لمن يعتبر
ولا أظنني من المعتبرين
في كلِ ليلةٍ
ويومٍ
تنكأُ جراحي عقربةٌ
ويعضُ أصابعي
ندمٌ من جهةٍ مجهولةٍ
ولكنني
حتى اللحظة الراهنة
لم أعلم كيفَ
أتعثرُ دائماً وأعودُ أدراجي
يا حياتي الرغيدة
من غيرِ حبور
أيقنتُ
أنني خارجَ المشهد الآن
وأنَّ الريحَ التي حملتني
كانت غريبةً
وأنَّ الزمنَ الذي رافقني
كانَ عدواً
وأنَّ ذاكرتي
التي رتقتها ألفَ مرةٍ
كانت مثقوبةً
وما عادَ في يدي
إلا أحلامُ القصيدة
تلك التي تقفُ معي
على مساميرِ الدهشة
وأنا على قارعةِ الأمل
أعودُ إلى اللامعنى
أتمسكُ بتلابيبِ الضوء
حتى تعرقَ الرغائب
ينطلقُ الشعرُ
شهقةً تورقُ
على ذراعيها فتائلَ الجمرِ
عليَّ أن أدفنَ قلبي قبلَ الضوء
أن أكسرَ جرة الرتابة
أتحررُ من أجنحةِ السراب
وحنين القصب
يازيتونةَ الدارِ
يا يمامةَ أبي الصباحية
أما زال المطرُ هاطلاً
بالأماني
مثلما كان
رغد

{{ نوافذ لنصوص دمشقيّة }}: قراءة نبعض صوص الشاعر محمد الدمشقي بقلم الاديبة فضيلة ذياب..تونس الخضراء:

{{ نوافذ لنصوص دمشقيّة }}:
الاديبة فضيلة ذياب..تونس الخضراء:
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
حين يكتب محمد الدمشقي قصيدته نراه فيها بكل ملامح العاشق المشغوف بالحبيبة بمعناها الشامل المرأة والوطن والقيم.. نراه يطير داخلها وخارجها تحمله جوانح الحلم نحو آفاق الكلمة بما فيها من دلالات وجدانية ونفسية .
لذا تلتصق لغته الشعرية التصاقا كليا بالمعجم الطبيعي لأنها تتوافق ورغبته الجامحة في بناء فكرة حب ناصعة البياض شديدة الخصوبة .. خالية من كل شائبة مادية أو فكرية كما في المقطع الأول الذي اتسعت فيه رؤيته الشعرية اتساع البحر كاشفة عن انشطار بين عالمين الارض والسماء العالم الحسي والعالم الروحي والروحاني فتأتي التفاحة ببعدها الرمزي لاسقاطه في الهاوية كصورة معبرة عن مفارقة بين الحلم والحقيقة حيث تصعد الروح باحاسيسها وتسمو ليصطدم الحلم بالمستحيل الذي أخرجه منه عنوة اتساع البحر وعلوّ موجه وبعد السماء ... هذه الصورة الشعرية التي أوحت بطرد الواقع للشاعر من جنة أحلامه وهنا تبتدئ المعاناة النفسية ...
بُني النص على جملة من المقابلات كلون تعبيري بلاغي كثيرا ما تقوم عليه قصائد شاعرنا لترتقي بالنص في فنيته الى مستوى جمالي تحكمه الدقة في انتقاء العبارة وتلوينها بالبديع والانزياح
لذا نجد المفارقات السياقية طاغية منذ بداية النص حيث تجتمع المتناقضات كلها في مشهد واحد .. غناء ،نافذة ناعمة ،بحر ،سماء بعيدة، شطآن # تساقط، حزن اجش، ينقرني ضوء اصم ،صدى ،زبد ،كيد ...
نلاحظ اقتران الحزن والأسى بالأنا ما يحدثه في النفس غياب او عدم اكتراث الاخر او استحالة الوصل في جمل خطابية تحدّث فيها الأنا نفسها داخل مونولوج نفسي نلمس فيه خطابا ساخرا وكأنّ النفس تسخر من استغراقها في حلم لا أمل منه ما يضاعف البعد الدرامي في القصيدة فلَأكثر ما يحزن النفس وقوفها أمام الوعي وانشطارها الى ذاتين (مخاطِب ومخاطَب) وكأنها تقرّع نفسها على تمادي أحلامها وانتظاراتها الواهمة لذا استهل المقطع الثاني بلفظ "اضغاث "
لتتسع رؤية المشهد الدراماتيكي في مسرح شعري يغطيه الرماد
يواصل الشاعر خطابه للذات مصرّحا بتمزقها بين الوعي والقلب فكانت ال أنت غريبة عنها وكأنها الروح التي محرَّم عليها الاستغراقُ في طلب الحياة والضوء ما عبّرت عنه التعابير التالية او الحقل الدلالي لصورة الظلام :
{ظل غروب غبار اجفان اعين صباح فتيل رقصات يد نعاس هذيان انطفاء وسائد النوم... }
نلاحظ دقة باهظة الجمال في تشكيل المشهد المعبّر عن الغرق في الظلام مستدعيا كل الصور والاشياء الحسية والمعنوية الدالة عليه.
لا مناص من الهروب من الحقيقة فالذات الشاعرة تدرك أن الكتابة ايضا لا تُقرأ في زمن لا يكترث باحتراقها وصدق احاسيسها هذا ما يميط اللثام عن بعد فكري ايضا وثقافي تغترب فيه القصائد كاغتراب اصحابها في ساحة الأدب رغم انها في محتواها تسعى بمضامينها النبيلة واهدافها السامية الى بعث الامل واستمطار الضوء في واقع ساده الظلام كصورة العنقاء تنفض عنها الرماد لولادة جديدة .
صورة سيزيفية تكشف ببعدها الايحائي فشل الشاعر رغم محاولاته تغيير واقعه وواقع مجتمعه نحو الافضل رغم محاولاته اشعال فتيل الوعي
الرفضُ لطالما انهك الشعراءَ في رحلة بحثهم عن الجمال وتحويله الى قيمة نبيلة ولكنه استفز قريحتهم ما امطرنا قصائد بالغة التاثير عميقة الاحاسيس .
شاعرنا محمد الدمشقي رغم هذا الكم الفائض من الاحاسيس لم ينس ان للقصيدة شعرية لا بد من الحفاظ عليها لذا نراه يزخرف قصيدته بالمجاز اثناء وصفه للانا في الجمل الاسمية التالية: ( اضغاث ظل انت .. قحط )
او الفعلية القائمة على صيغة الامر والنهي :
(غط في نوم طويل.. قبّل يد نعاسك .. نم على وسائد ,, لا تفرك ..لا تشعل ..... )
هذا النفَس التشاؤمي الذي نلمسه في تقريع الشاعر لنفسه وسخريته يكشف عن سموّ قيميّ وشعوري لدى الشاعر وعن اتجاه روحاني ونفسي في حركة القصيدة وايضا وجداني حين يتحول المونولوج الذاتي الى خطاب مع ضمير ( أنتِ )
هنا يخرج النص في خطابه من فضائه الداخلي الضيق الى فضاء خارجي يشمل الانا والاخر لترتفع وتيرة الشجن بالرغبة في التحرر من الاخر الذي هو سبب معاناة الشاعر عبر عنه الحرف الناسخ (ليت) الدال على التمني .
فاستحالة التحرر من حب الاخر الانثى او الوطن هو في معناه المضمر رغبة في البقاء في فضائه لكن الذات ارهقها المكوث طويلا في حالة الاستحضار والتمني
لذا تشتهي اسكات ما بداخلها والتحرر منه بتقديمه للريح خيفة الاحتراق اكثر .
نلاحظ فنيات التصوير في التعابير المجازية حيث كان الانزياح اداة رسم لمشهد المعاناة في هذه الجمل المدهشة
: "للريح ان تاخذ صرختي"
"ما وجدوا في كأسي الفارغة الا رذاذ نغمتك " عودة الى المقطع الاول الذي استهله ب" غناؤك" محققا الترابط البنيوي في القصيدة فالغناء هنا له بالغ الاثر في الشاعر هو من يقشره اي يعري دواخله ومكنوناتها .
ربما يكون صوت الحبيبة غناءا بالنسبة للشاعر وربما يكون فعلا ترانيمها التي اغوته وربما ايضا يكون نشيد الوطن وصوت الحب المندلع في ذاته وكل ذلك تضافر لصناعة الصور الشعرية وحركية في السرد خلقت حدّة intensité في العلاقة التاثرية بين الانا وهواجسها واحاسيسها وعلاقتها بالاخر
نلمح هذا في نفس العتاب الموجه الى الطرف المشارك في قتل الحلم عبرت عنه الجمل الفعلية ..
"يطلقونَ حمائمي بعيدا ... عن صلواتِ عطرِك "
"قبضوا على جرحي القديم"
وفي الجملة الاستفهامية " هل كان حبكِ تهمتي ؟ "
في هذه الاخيرة انتقل بنا الشاعر الى دلالة اكبر للمعاناة حيث اضحى الالم شاملا وكأنّ أفعال الاخر مؤامرة ضد السلام والحب والحلم هنا تبدو ملامح معاناة الذات اشبه بمأساة الوطن المكبّل بالموت عبرت عنه : ( الشظايا والوجه المتناثر وشحوب المرافئ ... ) ولكنه وطن من ياسمين يرفض ان ينحني للموت لذا لم تطمس ملامحه كلها بل ظلت في الذاكرة والقلب والشعر خضراء كالشجر ...
المشهد الأخير الذي فتح أفقا آخر للقصيدة يكشف عن تحدّي الشاعر لكل العقبات المادية والمعنوية وفاءا وولاءا للحبيبة الأنثى والوطن عبّرت عنه الجملة الفعلية في صيغة النفي ثم الجزم ( لا.. لم يشطبوا ملامحك )
ثم الفعل الناقص (مازال ،مازلت لوني, ما تزال تتذكرني ...)
تعبيرا عن استمرارية الفعل الذاتي المناقض للحقيقة اي مواصلة الشاعر رحلة البحث عن الحرية والحلم والخصوبة بدل الجفاف والشحوب وهي بدائل يسعى لتوثيقها عن طريق الكتابة
طرح الاسئلة لم يكن عبثيا اذا فقضية الشاعر ابعد ما تكون عن الذاتية لانها ذات أبعاد أعمق مما تبدو عليه في ذهن القارئ وهي أبعاد اجتماعية ثقافية ووطنية تكشف عن رفض مصادرة الأحلام وتحدّي الزيف وقيم الشر .
كي لا يكون النّص الشعري مدنّسا بغبار التحدّيات والعقبات نرى ان شاعرنا طهّره وسما به بصدق الاحاسيس وشفافية المعاني الوجدانية معبّرا بذلك عن تطلّعاته كشاعر ومثقّف وانسان تخلّت عنه سُبل السلام في عصر بائد وواقع متردٍّ
لذا كانت القصيدة مليئة بالاستطرادات في نزعتها السرديّة ومنهجها الحكائيّ الذي قدّم لنا مشهدا انسانيّا في أقصى حالات المعاناة والتمزّق والشكوى والتحدّي شكّلته المشاهد الشعرية المبنيّة على الانزياح والبديع والنعوت والجمل الإسمية والفعليّة والإيقاع في حركة التكرار مثلا في المقطع الأخير أو الجناس مثل (أشجان ،وأشجار ) أو في المقطع الأول تردّد (كاف) المخاطبة في آخر السطر وتردد حرف (الشين) في المفردات المستعملة في المقطع الأخير ...
وبذلك تكتمل القصيدة النثريّة لدى محمد الدمشقي بشكلها الدائري الذي يبدأ بالحلم وينتهي به ولكنها لا تنتهي لتبقى عملا مفتوحا على المحتمل ولتبقى فكرة سماوية عُليا تنشد الحب والجمال وتخرج حيّةً من تحت الرماد .
مقاربة تحليليّة عبّرت من خلالها عن رؤيتي للنص من زوايا مختلفة لعلني وُفقت في الاحاطة ببعض جوانبه
تحيتي لياسمين قلبك دمشقينا المبدع
قراءة أ. فضيلة ذياب

الثلاثاء، 12 مارس 2019

تأملات في مناخات الشاعرة إيناس حسين الشعرية:بقلم الاديبة دنيا حبيب

تأملات في مناخات الشاعرة 
إيناس حسين الشعرية:
Enass Hussian
الاديبة دنيا حبيب
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
تتعدد أنواع الإبداع، وتختلف مسمياتها مع تقادم الزمان..
وهذا ما يحدث منذ القدم وما يحدث الآن وما سيظل يحدث إلى نهاية الكون.
وبالطبع هناك فكرة اجمالية مناسبة لوصف إبداع الشاعرة التي هي محور حديثنا لهذا اليوم، ولكنني لا أريد أن أحاصرها بصيغة محددة، كما ولا أريد أن أصف إبداعها بطريقة فلسفية أو بطريقة مجازية، لأن نوع الإبداع الذي تقدمه هذه الشاعرة مثله مثل (الماء) ليس له لون محدد سوى مايعكسه من بهجة في النفوس؛ ذلك لانه "سر الكون" وسر الحياة (النقي).
ومن عند آخر سطورها يمكننا البدء، والشيء بالشيء يذكر، فإن تجارب الشعر الصوفي عامة خير مدخل لما تقدمه شاعرتنا الصادقة ايناس. وكما نعلم جميعا أن الشعر الصوفي بحره شاسع، ينطوي على جواهر وأسماك ملونة..ومنه الممنوع ومنه المباح، ومنه ما يخاطب العامة ومنه ما يخاطب الخاصة، لكن مع كل هذه الاختلافات والألوان، يظل الشعر الصوفي بين المبدأ والهدف، فهو للباحثين العارفين الموحدين المتأملين في الكون..."وإن كان لكل شيخ طريقة" كما يقال.
ولكن الأسباب التي جعلتني أسحب كرسيا على طاولة الصوفية وإجالس تجربتها الشعرية من زاويتها هي الآتية:
أولا وجود نفس الأهداف والمبادئ التي يشترك فيها الشعر الصوفي -كما ذكرت سابقا- فجل نصوص الشاعرة لا تخلو من توجيه حديثها لله -عز وجل- وكأن نصوصها عبارة عن خلاصة مناجاة وتضرع لله، فهي تشكو لله وتدعو الله وتعترف لله، حتى أنه قد يشعر القارئ وكأن الشاعرة قد أخلت الكون كله من جميع المخلوقات ولم يتبق سواها تناجي الله بما شاءت وكما شاءت، دون تسلط بشري قد يقطع عليها خلوتها..تقول الشاعرة:
"أنا اعرف ُ ياالله
كيف لإمرأة ٍ مغرية أَن تقتل َ
شياطين بغداد الّف َ مَرة ً
وتعود"
*
"يااارباه ُ
لا امنية ً لفم ِ الريح
ولا شارع ً يلد المواعيد
ولا مدى يُبيح لنا عفّة الاُغنيات "
ومع وجود اشارات خفية ترميزية تلمح فيها الى واقعها السوسيولوجي ولربما السياسي المحيط ،ولكنها تكتفي بالتلميح دون اية مباشرة حذراً ذكياً تلقائياً منها ،انطلاقاً من موهبتها القوية التجليات والتي وصلت الى مرحلة تبشر بالوعود الابداعية الكبيرة..
ثانيا، حسها الشاعري التصويري والتعبيري.. فهي -وكما كل الشعراء المتصوفين- كان توجهها التصويري والتعبيري مباشراً نحو (الطبيعة) فهي لا تعنيها ولا تثير تساؤلاتها التكنولوجيا والآلات المعقدة وغيرهما من الماديات التي هي آخر هم الفرد المتصوف، بل تعنيها السماء والرياح والصحراء والقمر والليل والصقور والخيل، وكل مخلوق مباشر بعلاقته مع الله -عز وجل- وهي من هذه الناحية تذكرني كثيراً بمخيلة شعراء الهايكو ،بينما تعرف كيف تضخ همساتها عن واقع الحياة العراقية والعربية المسكونة بالمتناقضات التي تتراوح بين المرارة والحبور..وها هي تقول:
"لست ُ وحدي
مَن ْ احصى عدد سَحنات الجنوبيات !
واحصى الخيول المسحوبة َ بأحبال ٍ
على سطح ِ الجبل العالي"
"لكني اعرف ُ الصقور التي
ترصد براءة الكون"
"ولأن الأسى مِلح ُ السماوات
والناي ّ وسيلة الناجين ..
ولأن القمر َ ماعاد ختم ُ الليل"
ثالثا، موسيقاها الشعرية.. ولا أعني بذلك أن الشعر الصوفي له موسيقى واحدة أو بحر شعري واحد أو إيقاع ثابت.. ولكن وكما اتفقنا من قبل أن المنهج واحد وإن كان "لكل شيخ طريقة" فعموم الشعر الصوفي يتميز بموسيقى وإيقاع هادئ، وهذا يتحقق من خلال السياقات والتراكيب والألفاظ الطالعة من ارواح السعاة وكل على حده، ومن خلال ترابطها مع بعضها البعض، وأيضا من خلال عمق الفكرة المطروحة، فكلما ازددت تأملا وعمقا، أجبرت على اختيار الألفاظ ذات الوقع الراسخ والمؤثر، وهذا بالضبط ما تميزت به الشاعرة، فكرا ولفظا ومن ثم موسيقى.
وقبل أن اضع نصي الشاعرة امام المتلقي الكريم وبمطابقة الحال مع كل ما اوردته انفاً، يمكن لي أن الخص رؤيتي بالتالي:
ان هذه الشاعرة -كما أحس عميقاً- كيان شعري جديد مضاف لعالم الشعر عموما، وللشعر الصوفي خصوصاً،اقول ذلك،واليكم نصي الشاعرة واكم ان تحكموا بانفسكم على مطابقة ما ذكرناه معهما شكلاً ومضمونا:
*
(1)
أنا اعرف ُ ياالله
كيف لإمرأة ٍ مغرية
أَن تقتل َ شياطين بغداد الّف َ مَرة ً
وتعود
واعرف ُ أيضا ً
مَن ْ أفزع َ ذلك الطفل ُ
الذي يلعب ُ بِعُلب ِ التّبغ ِ الفارغة
ومن اعطى عكازة ً
لرضيع ٍ فر ّ من رحم ِ الحياة ِ توا ً
لست ُ وحدي مَن ْ احصى
عدد سَحنات الجنوبيات !
واحصى الخيول المسحوبة َ بأحبال ٍ
على سطح ِ الجبل العالي .
خجلة ٌ
هي سكاكين الارض غير الحادة
لم ْ تمر ّ على لحوم ِ المارة ِ
وتجرح عبثيتهم
لكني اعرف ُ الصقور
التي ترصد براءة الكون
وكل قصائد الشوق النابضة
التي تمزق وجيب القلب بأقدامها
خانتنا الصقور
وكذبتنا القصائد
فَمَن ْ ؟
ايقَظ بغداد !؟
***************
(2)
ولأن الأسى مِلح ُ السماوات
والناي ّ وسيلة الناجين ..
ولأن القمر َ ماعاد ختم ُ الليل
.فالكل ُ
مصابون
راحلون
منذ ُ الخَلد
.
يااارباه ُ
لا امنية ً لفم ِ الريح
ولا شارع ً يلد المواعيد
ولا مدى يُبيح لنا عفّة الاُغنيات
.
كل الأوراق عطّشى
والأُمهات ثكلى
لأن احضانهن أوهتها الرجالات
ذلك النادل ُ
الذي يمسح ُ المساءات الاخيرة
من الطاولات
ماعاد كونا ً لكؤس الدهر
ولا مؤذنا يلمّ ُ مساءات الرب
فتى نادل ٌ
منفي ٌ
راحل
يغزل اشياؤه
برمل ِ الصحراء
وتيه المعتّقين ..

أدب الحرب والفخر في نظم الشاعر الشيخ ستار الزهيري دراسة نقدية في قصيدة (مجابهات مزمنة) بقلم الاديب الناقد كريم القاسم

أدب الحرب والفخر في نظم الشاعر الشيخ ستار الزهيري
دراسة نقدية في قصيدة (مجابهات مزمنة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أدبُ الحربِ والحماسة والفخر لايخلو منه أيّ مجتمع من مجتمعات الارض ، فهو جزء من تراثها ، ويصل ماضيها بحاضرها ، ويوقد فيها مشاعل الكرامة والزهو والاعتداد بالنفس .
لقد تَجذَّر هذا النوع من الادب ـ بفنيه الشعر والنثر ـ في الادب العربي ، حتى بات بؤرة لدراسة التاريخ بسبب كثرة الحروب والغزوات بين قبائل العرب داخلياً ، وبين العرب والاقوام الأخرى خارجيا ، حتى برع اهل الشعر في تقديم هذا النوع من النظم ، وتفننوا في نظمه وسبكه وعرضه . وكان يشتد ويتَّـقد ويتوهج لهيبهُ أيام الحروب والغزوات ، فلا تجد شاردة ولا واردة في معاجم الحرب من سلاح وعتاد وفخر وحماسة الا وفاض بها هذا النوع من الشعر، حتى وكأن السامع يعيش وسط معارك ملتهبة لاهبة لعمق وقوة التصوير الشعري من صهيل خيل وقعقعة سلاح وهدير إبل وزفرات أنفاس محاربين . لذا فهو يحتاج الى ناظم ذكيَّ فَطنٍ لَبِقٍ مُستعد للمجازفة والولوج في هذا المضمار.
وللخوض في هذا الشأن نحتاج الى اكثر من مقال ، لكن لابأس بقطافٍ نقديٍّ لايبخل بإلقاء ولو ببعض الضوء عليه .
الشاعر العراقي الشيخ ( ستار الزهيري ) من محافظة الديوانية في حوض (الفرات الأوسط) ذلك الحوض الذي مازال ولّاداً لفحول الادب والعلم رغم احاطتهم بغبار الإهمال من قبل الحكومات المتواترة ، الا انهم لايزالون الأكثر قدرة على التدفق واختراق السحب المغبرة .
الشيخ (الزهيري) قلم يكتب وينظم بحرفية ومهارة ، فهو يلج عوالم المناسبات ليكتب عنها بجمال باذخ وبلغة ثرية مترفة .
تابعت نتاجاته منذ فترة طويلة ، حتى وجدتُ امامي هذا النص الرشيق المتوقد اللامع الرائع ، والذي أكاد اجزم قاطعا بانه وُلِدَ من رحم ألألم ، وحَمْلهُ وفِصاله في (أحد عشر) بيتا شعريا لاغير . وصغر فضائه النظمي هو الذي ميّزه بعمق التكثيف وبقوة السبك وجمال الوصف وقوة النسج وبلاغة الومضة والاشارة ، وهو يندرج في مرتبة (القصيدة) لكونه يتألف من (أحد عشر) بيتا شعريا .
فـائـدة /
{ إن البيت الشعري الواحد يسمى (اليتيم) والبيتين يسميان (نُتفة) ، وان كان النص يتالف من ثلاثة ابيات شعرية الى تسعة يسمى (قطعة) شعرية ، وإن كان يتألف من سبعة ابيات شعرية او أكثر فيسمى (قصيدة) }.
عندما تلتهب المشاعر وتتوقد المَلَكة الشعرية لدى الناظم ، ويُسقِط ارهاصاته كفكرة متكاملة ، ليسكبها في دلوٍ واحدٍ فلايزيد عليها ولايُنقِص ؛ يكون النظم اكثر ثباتا واكثر عنفوانا ، فيغادره التكلّف والتصنّع ، ويأتي الحرف طازجا ناضجا يكاد يقول اقطفوني.
لذا فشاعرنا الشيخ ( ستار الزهيري ) ومن خلال متابعاتي الكثيرة لسلوكه النسجي وجدته يعتصر الفائدة بما تجود به عليه مَلَكَته التأليفية ، فلايهمه طول النص او قصره ، انما الذي يهمه هو كيفية نفوذ الهدف الى فكر المتلقي ، وكيفية موائمة الفكرة مع السبك والنظم ، وهذا من جمال الذوق ، وذكاء الأسلوب ، وسلامة الغاية وصدق النية ، وكلها تعتبر من مراتب الجودة والوضوح لدى المؤلف .
لنتأمل أولا هذا النص الثري بالفوائد النقدية :
القصيدة
.........
( مُجابهات مُزمنة )
الشاعر / ستار الزهيري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يا دهرُ إن مَحاسني تَرجوني ... أَنْ لا أغادرَ مُقلتي وَجفوني
فعلامَ هذي الحربُ عندَ مَنافذي ... وعلامَ جعجعةُ الوغى تَدنوني
لَمْلِمْ جنودَكَ أيُّ نَصرٍ تافهٍ ... ترجوهُ من جيشٍ بلا مضمونِ
واكتبْ على كلِّ السواترِ هذهِ ... مجنونةٌ تُنْمى إلى مَجنونِ
أَمّا لواؤُكَ فالهزيمةُ تاجُهُ ... إنْ عادَ في تاجٍ لهُ مأمونِ
أنا إنْ لَوَتْ أقدارُ عمري مَعقلاً ... فلأنَّها غرسُ الإِبى بسجونِ
يا أيُّها الماضي المُسفُّ تَسائُلاً ... ماذا جنيتَ من الرُكامِ الدوني
وتركتَ غَيماً بالمكارمِ ماطِراً... فرشَ البسيطةَ بالندى المَكنونِ
أنا مُتخمُ التاريخِ غيرُ مُفاخِرٍ ... لكنَّما شَهِدَ الورى بفنوني
أنا لا غرورٌ أنْ أقولَ أنا أنا ... إلا دفاعَ الثائرِ المفتونِ
فآنبذْ إليكَ على سواءٍ ساكتاً ... إن السكوتَ سجيةُ المدفونِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ سنحدد اتجاه العدسة في مقالنا النقدي هذا ، لتفَحّص أدب الحرب والحماسة والفخر فقط .
ــ هكذا نصوص شعرية تعكس نوعاً من المجابهات العسكرية ، ولابد ان يتخللها طابع الفخر والحماس ، ومادام النص لايصف معركة بذاتها ؛ إذا هو تعبير وصفي تصوري لأمرٍ قد حدثَ ومازال ؛ مصحوباً بتساؤلات ونداءات مع فيض وجداني ظاهر للعيان .
ــ ان الحماسة والفخر من الفنون التي تعامل بها اهل الشعر والنثر منذ تاريخ طويل ، فهي تحتاج الى عاطفة جياشة مبدعة صادقة ، وتحتاج الى قدرة ذاتية على افراز الخيال الخصب لنسج عبارات بالفاظ موافقة للحال .
ــ شعر الحماسة والحرب والفخر يحتفظ دائما بمزايا وسمات يتفرد بها عن غيره من الأغراض الشعرية ، وقد استطاع الشاعر الشيخ (ستار الزهيري) أن يعكس بعضاً من هذه السمات رغم كثافة النص وصغر مساحته ، كونه ناظما حاذقاً نسّاجاً يعرف كيف يعرض قُماشته الأدبية .
ــ لنتجول في هذا النص المكثف ولنتفحص ونكتشف مكنونات هذا النوع من الادب :
• الـفـكـرة /
ــــــــــــــــ
من اهم اركان الفعل التأليفي هو حضور الفكرة . إن المؤلف الحاذق هو الذي يستثمر الفكرة استثماراً تاما ويحيط بكل فضاءاتها ، والكثير من النصوص الشعرية تشرق امامنا بفكرة واحدة بغض النظر عن صورها الشعرية المتداخلة والمتنوعة ، لكن في هذه المحطة النقدية نجد شاعرنا (الزهيري) قد حمَّلَ الفكرة عدة تأويلات جَعلتْ المتلقي يتامل بعمق للوصول الى جوهر التفسير .
الفكرة برمتها هي خطاب الشاعر للدهر وهذا الزمان الدنيوي ، الا ان ذكاء الشاعر جعل هذا الخطاب يحمل أسلوب المجابهة الحربية والعسكرية ، مما ولّدَ فضاءً شعرياً ثرياً يعكس ادب المعركة بكل حيثياتها ، والاجمل من ذلك ؛ ان المتلقي يستطيع أن يُئوِّل ضمير التملك (أنا) الى الوطن بسبب ذكاء الرصف وخبرة السبك ، وكل هذه التفسيرات تنصهر في بوتقة واحدة وهي (المجابهة) والتي سنتعرف عليها من خلال ما سيأتي .
• العنوان /
ــــــــــــــــــ
للأسف لم يكن العنوان بذات أهمية للنقاد إلا حديثا حينما احتوته الدراسات (السيميائية) المعاصرة ، فباتت له أهمية بالغة ، كونه مفتاحا مهماً يفيد في استنطاق النص والولوج الى عالمه وتفحص جنباته ، وسيكون لنا بحث آخرا في هذا الشأن ان شاء الله تعالى .
عنوان النص الماثل امامنا (مجابهات مزمنة) عبارة عن جملة (اسمية) تركَّبتْ من اسمين (مبتدأ وخبر) ، وهكذا عنوان عندما يأتي بصيغة جملة (اسمية) فهو يفيد الدلالة على ثبوت الشيء لشيء ، فلا ننتظر تجدداً او استمراراً . وعندما يتطلع المتلقي الى العبارة سيدرك ان الشاعر أراد بالمجابهات والمواجهات ان تكون ثابتة الأَزمَنَة ، فلا داعي للتساؤل : هل تستمر ام لا او هل تتجدد ام لا ؟ فهي مزمنة ومازالت مستمرة مع استمرارية الزمن . وهذا الانتخاب لهكذا (عنوان) هو من دواعي الذكاء في النسج .
إذا نحن امام علامة وأثر دلالي لقراءة عمق النص ، ومثل الشيخ (ستار الزهيري) لايقطف ما لم ينضج ولا يأت بما لا يعرف ، فهو أدرى بهذه العلامات والدلالات والتي ـ للأسف ـ يغفل عنها الكثير .
ان العنوان يعتبر اكبر ما في النص ، فهو الجوهرة التي تُغري المتلقي لجذب اهتمامه ، كونها تنطوي على مفاتيح واسرار النص ، وهو الأثر الظاهر الذي يدل على الأثر الباطن للقصيدة .
إذاً عند قراءتنا لهذا العنوان (مجابهات مزمنة) سيتبادر الى اذهاننا نوع من المواجهات والصدامات بين طرفين او اطراف متعددة ، فلابد لنا ان نبحث عن هذه المواجهات للتعرف على أطرافها ، سماتها ، ادواتها ، أسبابها ، وسيكون العنوان أثراً عالقاً ذهنياً وموازيا لفعل النقد اثناء القراءة والفحص والتحليل ، حيث استنبط الشاعر عنوان قصيدته من محتوى النص ومضمونه ومجموع احداثه وتفاعلاتها .
• ضمير المتكلم /
ــــــــــــــــــــــــــــ
في هذا النوع من الشعر يكثر الشعراء من استعمال ضمير المتكلم المفرد (انا) لأنه الضمير المناسب لأدب المعركة ولإبراز معاني الحماس ، فهو ضمير الاعتداد بالنفس وضمير الزهو والفخر . لذا نجد الشاعر قد زجَّ هذا الضمير في ثلاثة ابيات شعرية :
" أنا إنْ لَوَتْ أقدارُ عمري مَعقلاً.....فلأنَّها غرسُ الإِبى بسجونِ "
"أنا مُتخمُ التاريخِ غيرُ مُفاخِرٍ.... لكنَّما شَهِدَ الورى بفنوني "
وفي البيت الثالث زجَّ بضمير المتكلم (انا) في شطر واحد ثلاث مرات بأسلوب فني ابداعي جميل :
" أنا لا غرورٌ أنْ أقولَ أنا أنا....إلا دفاعَ الثائرِ المفتونِ "
• الجانب الفني للنص /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
يُعتبر الجانب الفني للنص هو الجوهر الذي يشع بكل الطاقة التي اختزنها الشاعر في قصيدته ، فالشاعر الحذق عندما يروم أن ينظم نصّاً شعرياً ليترجم غرضاً معينا ، لابد له ان يكون مُلِمّاً بأسس وسِمات هذا الغرض ، وإلا سيكون النص مجردَ نوع ٍ من الغثيان.
ان الجانب الفني في هكذا نوع من النظم يتوزع على عتبات فنية كثيرة . والنص الذي بين أيدينا قد تضمن عتبات فنية مختلفة .... منها :
1ـ بنية النص السردية
......................
يعمد الناظمون في هذا النوع من الشعر الى اعتماد المقاطع الحماسية ، وتوسيع المعاني ، حتى الوصول الى السرد والتفصيل ، مع توليد معان جديدة محاطة بعناصر قصصية من شخوص وحيز زماني ومكاني واحداث متفاعلة .
ففي البيت الأول وهو مطلع النص ، ظهر الحيز الزماني واضحا بلفظة (الدهر) وهو الزمن الدنيوي طال ام قصر :
" يا دهرُ إن مَحاسني تَرجوني...أَنْ لا أغادرَ مُقلتي وَجفوني "
وفي البيتين الشعريين الثاني والرابع صرَّح الشاعر بالحيز المكاني ( منافذي ، السواتر)
" فعلامَ هذي الحربُ عندَ مَنافذي.....وعلامَ جعجعةُ الوغى تَدنوني "
" واكتبْ على كلِّ السواترِ هذهِ......مجنونةٌ تُنْمى إلى مَجنونِ "
اما الشخوص فقد استعمل الشاعر الضمير الشخصي المتكلم (انا) وإن استعمال هذا الضمير هو دلالة إثبات الانتماء وإبراز الهوية لغرض التحدّي والمقاومة ، ويمكن للمتلقي الحاذق ان يئوّل الضمير كأشارة من بعيد الى (الوطن) كما تجلَّى ذلك عند الكثير من الابيات الشعرية في النص ، وأشرقها بياناً هو البيت الشعري التاسع :
" أنا مُتخمُ التاريخِ غيرُ مُفاخِرٍ.... لكنَّما شَهِدَ الورى بفنوني "
إن الفعل السردي يكون متفاعلا بوجود أفعال (الحركة) والتي توزعت بين ثنايا القصيدة حسب مقتضى الحال مثلا (أغادر ، تدنوني ، عادَ ، لملمْ ، لوَت ، اكتبْ ) . وهذه الأفعال عادة تغذي النص بالفعالية الحركية ان كانت انتقالية أو حسية مما توفر نشاطات متبادلة ، كي يناور بها الشاعر لينشيء لوحات ملحمية تناسب الفكرة والحدث ، وتستطيع النفوذ بقوة الى ذهن المتلقي .
2ـ الأثر التاريخي
.......................
السردية التي يُنْظِم الشاعر أحداثها بتفاعل عناصرها لابد ان يكون للأثر التاريخي دلالة فيها ، خاصة وإن الشاعر جعل للزمن الماضي مدخلا للـ (فخر) في قصيدته ، فقد استشهد الشاعر بالتاريخ والماضي وجعل (الورى) أي الخلق الكثير من الناس ـ شاهدا على ذلك ، وجعله اثراً للدلالة على عنوان شجاعته .
" أنا مُتخمُ التاريخِ غيرُ مُفاخِرٍ.... لكنَّما شَهِدَ الورى بفنوني "
هذه الاثار تنقل النص من المجرد الى المحسوس ، ومن الانشاء الزائل الى النظم والمعنى الخالد . وهذه الوظائف الجمالية هي التي ستنتقل بالمتلقي من عالم القراءة الى عالم التأمل واستكشاف فضاءات النص .
3- الإيـقـاع
.............
جاءت القصيدة على بحر الكامل وهو بحر مناسب لهكذا اغراض، فروسية ومعارك وحماسة ، فموسيقى وايقاع هذا البحر توحي بالفخامة ، وإن إيقاع قصيدة الحرب والحماسة والفخر وإن كان يشمل الوزن والقافية إلا انه يتجاوز ذلك بكثير حتى وإن كان وزن القصيدة وحرف رويّها من قبل الشاعر نوعا من الابداع والابتكار ، الا ان إيقاع النص هو الصوت المُجَلجِل والمُهيمن ، الذي يقرع حس ومسامع المتلقي ، وهو محطة التميز لنظم الشاعر ووظيفة مقترنة بعنصر الدلالة والهدف المراد ايصاله الى ذهن المتلقي .
فعندما يكون النص مراده الغزل والتشبيب ، بالتأكيد سيختلف إيقاعه عن ايقاع نص الحرب والحماس . لذلك بنى الشاعر قصيدته على حرف الروي (النون) وهو من حروف الجهر، والتي عندها يكون اللسان بكامل حدَّته وبلاغته وطلاقته ، كونه من حروف (الإذلاق) ، وهذا امر يصب في خانة ذكاء الشاعر (الزهيري) .
إن الايقاع يجب ان يتولد بالتكرار في معظم النص ولا يقف عند بيت شعري معين او صورة شعرية بعينها . لذلك فإن هذا النوع من القصيد يتميز بثراء ايقاعه الداخلي وبشدته وقوّته وتنوعه ، والشاعر الذكي هو الذي يحرص على خلق تناغماً صوتياً كأنه الرعد المُزلزِل بين مكونات الكلام .
وكل شعراء هذا النوع من النظم يعمدون الى توظيف مفردات تعين على تشكيل دلالات سمعية من حيث حسن اختيار الاحرف والاصوات ، ودلالات حسية لمحاكاة المعارك مستندين الى ضروب البديع من التضعيف والتكرار والجناس والتشبيه والاشتقاق وغيرها ، والتي سنتناول مايتسع لها المقال ... وكالآتي :

أ / الأصوات المجهورة
.........................
إن معظم شعراء العرب يميلون الى استعمال اصوات (الجهر) ذات الصدع في هكذا نوع من النظم مثل (عين ، جيم ، لام ، غين ، ميم ، واو ، نون ، راء ، ذال ، ياء ، باء ، دال )َ وهذه الأصوات تسند النزعة الحماسية في النص وتلهب ذات المتلقي في المستويات الملحمية كما في البيت التالي :
" فعلامَ هذي الحربُ عندَ مَنافذي.....وعلامَ جعجةُ الوغى تَدنوني "
ولو تأملنا هذا البيت لوجدنا الشاعر قد زجَّ بـ (12) حرفاً من مجموع حروف الجهر البالغ (18) حرفا . وهذا من لطائف النظم وقوة السبك ، لذا فعند قراءة هذا البيت الشعري نشعر بقوة اللفظ وشدته بما يناسب القصد والمرام .
ب/ التكرار والاشتقاق
........................
لو تفحصنا جيدا هذه الابيات الشعرية الخمسة والتي تستولي على نصف القصيدة تقريباً :
" فعلامَ هذي الحربُ عندَ مَنافذي.....وعلامَ جعجعة الوغى تَدنوني "
" واكتبْ على كلِّ السواترِ هذهِ......مجنونةٌ تُنْمى إلى مَجنونِ "
" أَمّا لواؤُكَ فالهزيمةُ تاجُهُ.......إنْ عادَ في تاجٍ لهُ مأمونِ "
" أنا لا غرورٌ أنْ أقولَ أنا أنا....إلا دفاعَ الثائرِ المفتونِ
فآنبذْ إليكَ على سواءٍ ساكتاً....إن السكوتَ سجيةُ المدفونِ "
سنجد ان ظاهرة التكرار والاشتقاق للمفردات واضحة وبارزة في البيت الشعري الواحد او في جسد النص . ويعتبر التكرار من التقنيات التي استعملها الكثير من الشعراء قديما وحديثا كونها ترصد دواخل نفسية معبِّرة ، إضاف لكونها ظاهرة جمالية وايقاعية ، حتى ان الكثير من النصوص استطاعت ان تبلغ ذروة الشهرة عن طريق ابداع الشاعر وابتكاره في تكرار بعض الالفاظ والحروف من خلال حسن رصفها والتفنن بتقنية نسجها وتوليفها مع الفاظ أخرى . فقد وردت الالفاظ في البيت الأول (فعلامَ ، وعلامَ) وفي البيت الثاني (مجنونة ، مجنون ) وفي البيت الثالث (تاجه ، تاجٍ) وفي البيت الرابع (أنا) مكررة ثلاث مرات وفي البيت الخامس (ساكتاً ، السكوت) وهذه السمة الفنية قد اغنت النص بالتوكيد والرسوخ .
من خلال تفحصنا للنص وجدنا الشاعر قد ركّزَ واهتم بتكرار ضمير المتكلم (أنا) فقد تكرر داخل القصيدة خمس مرات ، وهذا التكرار لم يحدث بالصدفة او لضرورات شعرية او نسجية ، انما قد قَصَدَهُ الشاعر حتماً ، كون هذا الضمير يعتبر مركز الثقل الشعوري لانتاج الصور الشعرية المعبرة ، ويعتبر هو الطاقة المُحرِّكة للصورة وأسّها الذي تستند عليه ، ليشكل تلاحما وتظافراً مع الأهداف الأخرى ، فمرة يأتي الضمير بدلالة شخصانية ومرة يمكن تأويله الى الوطن .
جـ/ تطويل وانفتاح المقاطع
.............................
على الناظم ان يستثمر هذه السمة الانفتاحية ، فلا يغلق العبارة او يجعل الفاظ البيت الشعري تتموضع عند حدودها، فالافعال تحتاج الى توظيف ملحمي منفتح لخطاب المعارك وتصغير وتحقير العدو ، وامامنا هذا البيت الرائع الذي استطاع الشاعر الزهيري ان ينظمه وكأنه خطاب معركة ، وقد بدأ مسترسلاً ولم يوقفه الا حرف الروي .
" لَمْلِمْ جنودَكَ أيُّ نَصرٍ تافهٍ ...... ترجوهُ من جيشً بلا مضمونِ "
او في هذين البيتين الشعريين :
" يا أيُّها الماضي المُسفُّ تَسائُلاً.....ماذا جنيتَ من الرُكامِ الدوني
وتركتَ غَيماً بالمكارمِ ماطِراً....فرشَ البسيطةَ بالندى المَكنونِ "
نلاحظ كيف استمر الشاعر في الانفتاح ولم يتوقف بالتساؤل ، حيث استمر متسائلا في البيت الثاني لاكمال الصورة الشعرية .
4- الصور الشعرية
....................
إن الصورة الشعرية هي جوهر النص وأحد معايير جودته ، ولكي يتمكن الشاعر من ابراز هذه الصور بقوةٍ تلتهمُ ذائقة المتلقي ، لابد له ان يستغل أفكاره وعواطفه في بناء تفاعلات وأواصر بين عناصر الصورة الواحدة بتشكيلات جديدة لم يألفها المتلقي او الناقد ، وهذا ما يجعل الصورة الشعرية مدخلا قرائيا يميّز النص بخصوصية معينة .
ان صور الحرب والفخر والحماس لها منهجها وعنفوانها الخاص ، فقد استعمل (الزهيري) وسائله الصحيحة ، وفرش ادواته المناسبة للتحليق في هذا الفضاء البديع والبليغ والفصيح ، مستخدما التشبيه والاستعارة والمجازات الواضحة المفهومة ، التي لاتحتاج الى قواميس او معاجم لتفسيرها ، وقد يقول قائل بأن كل أنواع القصيد يحتاج هكذا أدوات !!
الجواب / نعم ... لكن يجب ان تتسم هذه الأدوات بما يلي :
أ ـ الـمـبـالـغـة
................
ان معاني المبالغة والافراط والتعصب في النظم لا تحطّ من هيبة الصورة الشعرية في قصيدة الحرب والفخر ، وإنما هي أداة فاعلة لجعل العدو ينهزم نفسيا قبل اللقاء والمواجهة ، لذا فقد استنفذ كل الشعراء طاقاتهم وفعلوا الافاعيل في تشكيل ونظم صور بالغة الغلو ، وهذا الامر لايغيب عن خاطر شاعرنا ، فهو اعرف بعتاد كنانته و ادواته ، وهو يعرف كيف يختار الوانه وتشكيلاته ، فجاء ببيان ناصع بليغ ضمن صوره الشعرية .... ولنتفحص مثالا على هذه الصورة :
" أنا مُتخمُ التاريخِ غيرُ مُفاخِرٍ.... لكنَّما شَهِدَ الورى بفنوني
أنا لا غرورٌ أنْ أقولَ أنا أنا....إلا دفاعَ الثائرِ المفتونِ "
هكذا خطاب لابد من حضوره في اللقاءات والمواجهات ، فالفخر يزيد من الهمَّة ويشمّر عن السواعد لاستنهاض شهيّة الجنود للمواجهة ، وتجعل المقابل يفهم بأن الذي امامه ليس فقاعة هواء ، وانما هو جذر راسخ عميق التجربة وواسع الخبرة والمِران ، مما يسبب للعدو ارباكاً نفسياً كبيراً .
كذلك نلاحظ الشاعر قد استعمل لفظة (مُتخَم) وهو مفعول (اتخَمَ) وهذا مجاز رائع ، ومناسب جدا لمعنى المبالغة ، فتاريخه مملوء بالفخر والنصر والزهو ، ومع هذا فهو لايقولها (مفاخراً) لان العالم هو الذي يشهد له بذلك ، ثم يعرج ببيت شعري آخر وقد بالغ في تكرار ضمير المتكلم (أنا) لأنه من ابلغ الإشارات الدالة ، فيوضح إن سبب المبالغة بتكرار (انا انا) ليس غروراً ، لكنه دفاع عن النفس ودفاع عما اقول ، فأنا (ثائر) (مفتون) أي ؛ مأخوذ ومولَّع ومندهش ومُعجَب بتاريخي العظيم .
لله درك يا أيها (الزهيري) ، فلقد أبلغت وأوفيت فأزهرت .
ب/ الـدقّـة
..............
الصور الوصفية في شعر الحرب والفخر تحتاج الى دِقّة في السبك ودقّة في انتقاء اللفظ كونه سجلا تاريخيا حافلا بالمعطيات الدالة وليس نزهة في عالم الادب ، فأدب الحرب لايُنظَم الا من اجل فكرة تتمحور حولها احداثيات واضحة وبيّنة .
لنتأمل بيتا واحدا كمثالٍ على ماتقدم :
" لَمْلِمْ جنودَكَ أيُّ نَصرٍ تافهٍ ...... ترجوهُ من جيشٍ بلا مضمونِ "
يالها من صورة دالة حاكمة مُحقِرّة للجبهة المقابلة ، حيث ابتدأها بفعل الامر (لملِمْ) ليضمن الاستعلاء ، ثم يأتي بعبارة (نصرٍ تافه) ولم يستخدم لفظة هزيمة او مايرادفها ، لان المواجهة لم تحدث بعد ، فلابد من استخدام العامل النفسي ، ثم جاء بعبارة قاصمة محقِّرة عندما ختم الخطاب بـ (جيشٍ بلا مضمونِ) والمفردة (مضمون) قد تعامل الشاعر معها بذكاء مفرط فهي تعنى الـ (الفحوى) وعندما يكون الجيش بلا فحوى ولا معنويات ، فبالتأكيد سيكون عبارة عن بيادق شطرنج جامدة لاغير، وهذه الالفاظ مناسبة جداً لإذلال المقابل واخضاعه ، وهي تتضمن معان كثيرة كلها تخص العمق والداخل .
ثم لو تأملنا مفردة (لملمْ) وكيف وظَّفها الشاعر (الزهيري) بذكاء وبدقة ، فهي تعني (جمع ماتفرقَ) وكان من الممكن ان يأتي الشاعر بمفردة (اسحب) وهي من الفاظ المعجم العسكري ، لكنه أراد اذلال عدوه ، فأمره مستهينا بقدراته : اجمع جنودك المتفرقين ، فأي نصر ترجوه من جيش بلا فحوى وبلا معنويات او مضمون ؟؟
وبهذا اجهز على عدوه مقدماً وابتداءً، وهكذا في ابيات أخرى لم نستعرضها منعا للإطالة والاسهاب .
جـ / الـتَنَـدّر والتـوبـيخ
.........................
جاء الشاعر بلفظة (علامَ) وتعني (لماذا) وهي كلمة تتألف من حرف الجر (على) و (ما) الاستفهامية . وجاءت هذه الكلمة مكررة في الشطرين من البيت التالي :
" فعلامَ هذي الحربُ عندَ مَنافذي ... وعلامَ جعجةُ الوغى تَدنوني "
والشاعر هنا لم يأت بـ (علامَ) لغرض الاستفهام الحقيقي عن شيء ، فليس كل استفهام يكون طلبا للفهم ، والعكس صحيح أيضا ، والشاعر كرر (علامَ) بسؤالين احدهما في صدر البيت والآخر في عجزه . فعندما تسائل الشاعر عن سبب هذا القتال عند المنافذ والثغور وعن سبب أقتراب ودنو هذه الجعجعة والاصوات الهادرة ، لم يكن التساؤل استفهاما عن حقيقة واقعة او ستقع ، وكذلك لم يكن تساؤلا عن امر لايعلمه ، فمن الممكن ان يستفهِم المُستَفِهم عن امرٍ يعلمه لسبب فني يضمره ـ واكاد اعتبره استفهاما بلاغيا ـ لان الشاعر أراد بهذا الاستفهام التوبيخ والاستهزاء للمقابِل وتحقيره والتقليل من شأنه ، والدليل على ذلك ماجاء في البيت الشعري الذي يليه :
" لَمْلِمْ جنودَكَ أيُّ نَصرٍ تافهٍ ... ترجوهُ من جيشٍ بلا مضمونِ "
أي بمعنى ؛ ماسبب هذه الجموع وهذه الجعجعة ؟؟ لملم فلول جيشك ، فهو مهزوم لامحالة .
وهذا نظم ورصف بديع وبليغ ورائع جداً ، حتى وكأن الشاعر أعدَّ لكلِّ امرٍ عدَّته .
ومن الأساليب التي تحتاجها سوح المعارك لمجابهة الأعداء ، هي أساليب التندّر ، لما لها من تأثير جارف في انتكاس العدو ، ووقف زحفه ، ومراجعة ذاته .
ففي البيت الشعري الخامس استعمل الشاعر أسلوب التندر والاستخفاف بالعدو :
" أَمّا لواؤُكَ فالهزيمةُ تاجُهُ.......إنْ عادَ في تاجٍ لهُ مأمونِ "
فالشاعر هنا يتندر ويسخر من عدوه ويتحدّاه ، فيخاطبه بان جيشك مكسور اللواء وسيكون تاجه عنوان الهزيمة لا النصر ، حتى وإن كان الجيش يحمل تاجاً (مُؤَمَناً عليه) . وهذا تعبير مجازي جميل وإشارة دالة رائعة ، وهو من لطيف الوصف والتندر وأبلغه.
د / مشهدية وحركة الصورة الشعرية
..........................................
في البيت الشعري التالي :
" فعلامَ هذي الحربُ عندَ مَنافذي.....وعلامَ جعجعةُ الوغى تَدنوني "
هنا نجد الشاعر قد حرَّكَ الصورة الشعرية ، كونها صورة حرب ، والحرب فضاء مُفعَم بالحركة والاهتزاز والتزلزل لايعرف السكون ، لذلك فاننا نجد الصورة الشعرية قد اتسع مداها في التساؤل عن سبب تجييش الجيوش على المنافذ الكثيرة الى الاستفهام عن هذه الأصوات العالية (الجعجعة) والتي هي الأخرى احسن الشاعر في توظيفها ، وكان المفروض استعمال مفردة (معمعة) وهي أصوات المقاتلين والسلاح في سوح القتال ، بل وهي الأنسب لهكذا صورة ، لكن ذكاء الشاعر جاء بلفظة مرادفة للصوت (معمعة) التي تعني أصوات الابل الهادرة ، او الصوت المرتفع للرجل الذي يتوعد ولا يستطيع تنفيذ وعيده ، وهذا ـ لعمري ـ هو المطوب في هكذا موقف مع العدو .
هـ / التأثير في العدو
......................
إن تلون الصور الشعرية الرائع في ادب الحرب والفخر هو الهدف الذي ينشده الناظم لاجهاض الهجوم المقابل ، وللتأثير في العدو ، وهو غاية الغايات . وهذا ما وجدناه في تنوع الصور الشعرية في النص ، والتي لانحتاج الى عرضها مرة أخرى منعاً للملل .
و / الأدوات والصور الحسية
................................
لابد للشاعر أن يستلهم صورا حسيّة لتنفذ بعمق وبسرعة الى ذائقة المتلقي ، معتمدا على عتاد المعركة وادواتها وتضاريسها ودوابها ، فنجد الشاعر قد وفَّرَ مايناسب الفكرة من مفردات محسوسة مثل (منافذي ، جنود ، جيش ، سواتر ، لواء ، تاج ، سجون ، معقل ) هذه المحسوسات وظفها الشاعر بحنكة وذكاء بما يناسب الفكرة وبما يناسب مساحة النص . وهي تنقل المتلقي الى فضاءات اكثر حساً ، وبعيدا عن التجريد ، ويفتح أبواب التأمل الى مديات شاسعة ومنفعلة .
ز / الاستعلاء والترفع
.............................
الحرب النفسية في المجابهات والحروب تعتبر من الأهداف والاسلحة التي يهتم بها أصحاب الشأن فهي تجني وتحصد نتائجها بقوة وفاعلية قبل التصادم والاشتباك ، وكثير من الهزائم الكبرى كان سببها الحرب النفسية ، لذا فإن أدب الحرب لابد ان يتعامل معه الناظم ـ كما اسلفنا ـ بذكاء وبدقة ، فانتخاب الالفاظ هو السر العظيم في الخطاب الحربي ، ونوع اللفظ هو الذي يعكس للجبهة المقابلة صورة المتكلم ومدى قوته وعظم شكيمته .
إذا الاستعلاء والترفع امام العدو هو من متطلبات الحرب النفسية ، ولذلك نجد شاعرنا قد اجاد انتخاب الالفاظ التي تعينه على هذا الامر ، فجاء بصيغة فعل الامر عندما إستدعي الامر مخاطبة عدوه ... مثل (لملمْ) كما في البيت الشعري السالف ذكره ، و فعل الامر(أكتبْ) وقد قصدها الشاعر للتباهي عندما امر العدو بكتابة هذه اللافتة الجسورة البليغة على السواتر(مجنونة تنمى الى مجنون) أي ان الحرب سُميت بالمجنونة لكونها تنتمي الى جنوني بالحرب ، وهذه لافتة يجب التوقف عندها طويلا لحسن تصويرها ولعمق بلاغتها ، كما في البيت الشعري التالي :
" واكتبْ على كلِّ السواترِ هذهِ......مجنونةٌ تُنْمى إلى مَجنونِ "
ثم فعل الامر(أنبذْ) جاء يحمل النصيحة وخاصة عندما طرح الشاعر مافي جعبته من خطاب كي يختم قصيدته بعجز بيت شعري قام مقام الحكمة والنصيحة للدهر :
" فآنبذْ إليكَ على سواءٍ ساكتاً....إن السكوتَ سجيةُ المدفونِ "
وهذه الأفعال تقدمت ثلاثة ابيات شعرية ولم يجعلها الشاعر متوسطة في الخطاب ، فاراد بذلك الصدح بالامر للاستعلاء والتباهي والنصيحة ابتدأء ، وكأنه الآمر الناهي صاحب القرار المعلّى ، وهذا السلوك البلاغي لا يحضر إلا من جهة الأعلى الى الأدنى ، ويعتبر هذا التصرف من ابلغ مراتب الترفع والاستعلاء ، والذي لايكون محبذاً الا في هكذا مواضع .
ــ مما تقدم ..
لابد لنا من وضع علامات تقييم لهكذا نظم واع مكثف هادف ورصين :
• النص جاء وهو يحمل دلالات ذكاء في النسج وانتقاء الالفاظ بما يوازي المعنى والفكرة .
• استطاع الشاعر ان يفرز قريحته مرة واحدة ليترجمها بنص صغير المساحة مكتنز الفكرة واضح الأهداف دون زيادة ابيات أخرى مما جعل النص بعيدا عن التكلف والتصنع .
• معجم ادب الحرب قد تواجد بقوة في النص رغم قلة عدد ابياته ، فمفردات الحرب قد طرَّزت معظم جسد المقطع ، وهذا دليل اهتمام الشاعر بنظمه .
• احتفظ الشاعر بالطابع الأخلاقي ، وادب الحرب والمعارك ، فلم يشط في التعبير او يأتي بما لايناسب الذوق من الفاظ ومفردات.
• تم النظم بمفردات سهلة النطق ، واسعة الطيف في التعامل اليومي ، مما ولَّدَ ذائقة جليَّة تعين على تأمل صور النص الشعرية ، وهذا من ذكاء الصنعة وجمال الفصاحة .
• استطاع الشاعر ان يفصح عن مقدار الألم المكنون بدلالات تعبيرية ذكية غير منحازة الى انكسارٍ أو اذلال .
• من خلال تفحصنا للنسج والمعاني ، وجدنا الشاعر يجيد اللسع للذات المقابلة في المجابهات .
• استطاع الشاعر ان يُظهِر رجحان كفته على كفة الجهة المقابلة ، وهذا ما ايدته بيانات المعاني ودلالات الالفاظ .
• تناولنا النص في هذا المقال النقدي كونه نموذجاً نادراً في مثل هذه الأيام ، وخاصة في سوح الادب وعلى موائد الشعر .
• النص يحمل عدة فوائد نقدية ، لكننا توقفنا في محطات نقدية محددة من أدب الحرب والفخر ، كي لانشقّ على القاريء ، وكي لايتشضى الهدف عن مقاصده .
تمنياتنا للشاعر الشيخ (ستار الزهيري) بالسؤدد والكثير من الابداع .
احترامي وتقديري .
.....................................................................
......................................................................

..قصيدة (.ايام سميح. ) بقلم الاديب حميد العنبر الخويلدي

.
هكذا اعمال ابداعية لاتشبه الا صاحبها، واروع مافيها انتماؤها الى منهج الشاعر الإبداعي ذاته،وهي مطالبة لابد منها لإثبات عملية هذا التنظير التطبيقية،بحيث نجد تجليات افكاره ومقترحاته النظرية واضحة على سيمياء وتفاصيل وحتى مضمون النص..مع الصديق الشاعر الناقد حميد العنبر الخويلدي..خالص تقديري..

غازي احمد الموسوي


..ايام سميح............
......................رَحَلَ سميح

لمحتُ من على الشريط،، سميحا مات،، قلتُ لم يمتْ ،، سميحُ زُفَّ بالخيل واللليل والمزامير....
هو ذاته، شخصانياته، صفاته،الشاعر العروبي ذو الشهرة العظيمة في العالم جوازه للعبور اسمه،ان اردت العالم الكوني ذا الدول والاقطار والحدود والاعلام والبحور ،او اردت عوالم القلوب والمشاعر،فكلاهما ميسور في قواميس حروف التفسير عند سميح القاسم واسفاره ورحلاته ،كان رزم حقيبته ، ورتّب قمصانه البراقة واربطة عنقه الزاهية،ام لكزَ جواده للخيال لحظة السفر المعرفي، حيثما شاء استجاب الواقع ،حتما يستجيب
طوعا وكرها، فعند نشور حُمّى الصيرورة الابداعية، من ذاته السامية ،اول ماينهدم جسده تحت عنوان اخراج البطاقة الشخصية وهيولى الكنه، كي يمر الهيكل والجثمان الاثيري ،يحدد الشفرات ويثبت الخطوط،لتَعرِفَهُ النجمةُ والزهرةُ، والغزال،ونواح القطا، وزءير الاسد الليث، وهمهمات الحالم، وبكاء العاشق،وحماسة المناضل ولهيب الثورة ،ودمعة الطفل وجوع الفقراء ودوي التظاهرات وطموح الرفاق وتصادم الكتل الفكرية ولعنات الفلاسفة وتَاَفُّفاتهم..وكل شيء يسمعه سميح لو اراد الدخول على الوجود وكاَنّ سميحا هو الوجود ، والوجودُ سميحٌ ، وحدة متكاملة من طين خاص مشع...
الاسم الكامل في بطاقة التعرفة...
سميح محمد القاسم...
من ال حسين في الرامة..
الولادة ..11...5...1939 في مدينة الزرقاء الاردنية. ابوه ضابط..حيث كانت العاءلة في طريق العودة لفلسطين في القطار..ابان نشوب الحرب العالمية الثانية ونظام التعتيم..
هنا بكى الطفل سميح،،فذعر الركاب
فخافوا ان تهتدي اليهم الطاءرات الالمانية،، وبلغ بهم الذعر درجة التهديد بقتل سميح...الامر الذي اضطر ابوه ان يشهر سلاحه بوجههم للدفاع عن هذا الصوت العظيم..والذي هبط توا ..ماكانوا ليفسروا بكاءه الذهين في ولادته.. وايما ولادة ،لايما طفل نعم ،،يبكي الطفل من هول الرؤيا، انه استلم ويستلم تجربة الوجود، تامّةً كاملةً من نقطة البداية حتى مختتم الفهرس الكوني ،له منها ماخصه..في سِجِلٍّ مثل النور المنير الراهج..
وهنا حضورية كلكامش ذو العظمة
السابقة اللاحقة...
هو الذي راى كلَّ شيء فغني بذكره
يابلادي..وعندما حلَّ به الظنى والنَّصَب دَوَّنَ كلَّ ما راهُ على نَصْب من الحجر....
بكاء سميح نشور متقدم سبق جوارحه..وحين كبر وحكوا له الرواية ذي، تبسّمَ بذي تلاميحه الجميلة..
حسناً لقد حاولوا اخراسي..منذ طفولتي..
ساريهم ساتكلم متى اشاء وفي اي وقت وباعلى صوت..
لن يقوى احد على اسكاتي.....
هكذا كان اصراره ، قضى دراساته
الابتداءية والثانوية والكلية في تيرا سانطه، وفي البلدية في الناصرة درس الفلسفة والاقتصاد السياسي
في موسكو...
دخل معترك الحياة كالنمر تارة يكتب لقضيته وتارة يُسْجن،، وتكررت عليه سجونهم وفرضت عليه الاقامة الجبرية والاعتقال المنزلي
وطرده من العمل..بسبب نشاطاته الشعرية والسياسية...
اشتغل معلما وعاملا وصحفيا ومارس كل الكدح والمعاناة
تصدى للوقت كالبطل في الصف والخط الاول قاءدًا وموجّهاً وثاءراً
انتج عشرات الدواوين والمسرحيات والبحوث،، بما يثري المكتبة العربية والعالمية، ترجم انواع الشعر والنصوص..
سميح موسوعي داءرة تامة 360درجة،،فلعله لو اراد الدخول في وقته النظيف..استعدَّ صَفَنَ تامّلَ،حكَّ حنكه او مفرقَ شعره ..او حتى ان به زيادة في التلفت حد القلق.وقد يشعر في وجع في عَصَبه وعظمه او تجده متوترا في حديثه مع صحبه في النادي او المؤسسة في العمل..يخلط الجد في المزاح ..هنا من تساله مابك ياسميح ليس انت المعتاد..
يرد عليك لقد اقبلت السحب الحافلة بالبرق والرعد والخصب المغيث ،،
انها قُرْبي من نافذة القدر ،استلم من المطلق على طريقتهم ،،لِاُخالطَ النور بالنور ،واختار اللفظ المجيب العحيب، واجهز وانجز الصيغ المتقدمة من الفعل المطلوب والمرام المقصود،، اُقدِّمه نتاجات او خِلْقة واعية ،الى العرض المشع في مسرح الحياة،، بعدما كان في ظلمات العدم،
يفقه سميح معادلة العدم والوجود، ومد الجسور لتَعْبُرَ من خلاله واحساسه خليقةُ البهاء،، التي يطمح ويزيّن ويرشّق في موقفه الخِلْقة قبل الخروج ،،
يعرف كيفية التعامل مع شفرات الطبيعة ليستلم من يدها البديع والصنيع الفني عبر هجسات روحه
ليخرج العمل منغمسا بصراحات سميح تحمله اراداته..
سميح تجربة وصلت حدود البلوغ العالي الاعتباري..بحيث يُجْرى له ما 
يشاء.. وايسر ماعنده في موقف الفتون البكر موقف اللقاء المستحيل مع عناصر الخلق الاُوَل التي تصعب وتعسر على غيره..
انما معه يستجلبها كالراعي الفطن ،، مقطرةً مسربةً وراءه يحدو بها الى المنصة الى اعطاء المحدثاث الجديدة،،
سميح تكاشفه الطبيعة والواقع على طبق ومدار،، حتى تَنبّهَ الى ربوبيةٍ
تملك لوازم حريتها الخاصة الخالصة،، بمجرد ان ينوي وكانه يملك السر،،تاتيه مطيعةً مادّةً رقابَها...
فقط عليه ان يؤشر محدداته فلسفيا
كنقطة البداية ..وخط الشروع التصاعدي. حتى دفع الطاقة ومستوى قدرة موضوعته ،،اذ نصل الى تعاليق مدار الذروة،هنا ينصب خطا لا اراديا هو التهافت الايجابي او الارجاعي حتى وصولنا الى خط استواء قاعدة الهرم وعموده موازاةً وامتدادا مع معادل البدء الاولى..
والتي اقول عنها ..
انها لحظة الهدم في الكتل او اوتكسير القشرة الصلبه للعمل حتى تاخذ الصورة حيّزَها التام من الوجود..والتي تُعْنى في النقد عند الاكاديميين بالمطلع..فيستصعبوه اغلب الشعراء.،،اذ القصيدة بمطلعها 
فكلما كان المطلع ذا طاقة حمّالة نشيطة سَحَب مابعده من ترابطات شعرية ومركبات وهذا يثبت ان النص مخلوق حي يتحرك اراديا وهو في الرحم التكويني..ريثما يستلهم أصالاته وزحزحأته في ألزمكان..وهكذا دواليك الى ان يكتمل الفعل ..
.وقد تجده، واعني سميحا ،،حينما يعاقر الاشياء يدخل عليها، عاقدا قران النتاج النصي ،،تراه او لاتراه
فهو موجود، كيفما اردتَ الصورةَ 
يُكنّي يعيدُ الكينونات يمحي الاثر ويزرع اثرا اخرا ،قابلا لان يجتهد بالمُحْدِثات التي تناسب وتتعالى مع مستوى الجمال الفكري المطلوب والذي ياخذ الحياة وهي باجمل واجلّ الحُلَل...فلعله الصارخ ...ا.ا.
كان لي بيت على رابية
كان من صخر هذي الجبال
كان من خشب السنديان
كان ...ياناس...كان
واقعا راءعا كالخيال
فاتركوني اذن
استعيد الحساب....
اؤثرُ الموت ، ام هدم هذا الجدار...
ومثل هكذا اغنية للجمال الكوني وفي شهودية الوقايع والاحداث يلقي سميحٌ مزاميره ...
حاملا الهم والضيم بجنب وضاربا العود والقيثار بجنب ...
ياتُرى هل هذا التخالط مقصود... التخالط بين جو الملحمة النضالية التي يسوق بها الشاعر تلقاءيا وبين الانشاد الطربي الراقص ايقاعيا..
نعم الجواب هي هكذا طبيعة الشعر
وردة ورصاصة..الرصاصة للخصم والوردة للمنتصر...
هذا متاع مقطعي من قصيدة ملحمية، تجده وضع الاسَّ المرادَ حتى في عنوانها ايمانا منه ،ان للشيء دلالة،ً في اسمه وهي التعرفة
ولطالما تعودت العرب ذلك ..سعد ، وزيد،هذي اسماء لها ما لها من مداليل،
في فاكرة الوعي وفي خلفية الذهن الجمعي..فتراه ،يُسمّي..
اَعِدُكم....
بان ترثوا جيادا نفاثة...
هذا عنوان نص القاسم سميح...
اتركوني اصلي قليلا...
لاباء لحمي
لاباء وجهي وصوتي
لاباء كينونتي الباقية
هذا التاصيل هو الدفق الحيوي الذي يسقي ويروي شجرة العقيدة وخامة الايمان لصنع سلوكيات حركية ذات حاصل عال في الاعتبار..
ومايمت بصلة من هذا الدور الى اظهار الصورة في العرض ..عند ذاك تكون الغلبة وفق النواميس للنوعي ..عندها نقول جرى الارسال الذي نطمح، والايعاز الذي نستود حثَّه وخطاه...
بقلمي...من العراق 
.............حميد العنبر الخويلدي


تقديم نقدي لنص الشاعر احمد نصر الله (لعنة الملاح) بقلم الاديب الناقد غازي احمد الموسوي

عن صفحة الشاعر احمد نصرالله ..مصر العربية..
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
هذه خواطر
استاذي العزيز
غازي أبو طبيخ الموسوي
عن هذا النص الذي حوته دفتي مرايا الذات
فله مني كل الشكر والتقدير
على ما اولاني به من رعاية وأهتمام
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
*
ليس سهلا ابدا أن يعي صاحب تجربة ابداعية شعرية آليات كتابة قصيدة النثر..وقد يقول قائل ما،كيف تفترض وجود آليات محددة لمشروع ابداعي مازال حتى اللحظة في اطوار استحالته من ناحية ،فضلا عن كونه دعوة في اقاصي الحرية اسلوبا وبنية تعبيرية، من ناحية اخرى..?!
لكن الإجابة تتعلق بعدم الوقوع في فخ الإفتراق..او دعنا نقول بوضوح اكثر ( الحيطة من الوقوع في حبائل المغادرة) ويالها من غواية بالغة الاثر،شديدة التزحلق..
نحن بهذا لانريد التنظير لخارطة طريق بملامح مرسومة او ثابتة حد الوقوع في ( الاستاتيكية) التي هربنا منها اصلا..
ولكننا نؤكد على وجود فاصلة جنسية ما..
نوع تعبيري يؤكد الإنتماء..
نعم ،نحن بكل جلاء مع قصيدة الشعر المنثور..ولهذا اسباب وعلل ليس هنا محل مناقشتها لاننا بصدد مناقشة قصيدة الشاعر المصري احمد نصرالله..على وجه التخصيص..ذلك لأنه ابان من خلال أدائه فهما واضحا لمعنى وآليات واسلوب كتابة النص الشعري المنثور..
ولاريب ان لهذه المقدمة مشروعا بحثيا كاملا، ندعو الله تعالى ان يمنحنا فرصة استكماله من خلال هذا النص الهادف المتحرك طيا في ثياب انزياحية تجترح الكثير من الأقنعة والإستعارات والرموز وكثير من اشكال المجاز البلاغي الجميل تورية لما لايريد الإفصاح عنه مكتفيا بالتلميح بدلا عن التصريح ومحققا مستويات من النجاح الداعية للإعجاب والتقدير..
غازي الموسوي
النص:
،،،،،،،،،،
لعنة الملاح:
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
إجتثِّي نَبوءاتِك المَالحة
مِن مِرآتي
فلا ثمَّة نَجمة
أُعلِّق على مِشجَبِها
الرَّبيع العالِق على شَفتيك
أيُّ أبجديَّة أُلملِم بها بَقاياك
و مِن ثَدي أيَّة فَجيعة
أُطعِم جُرحك المُتعفِّن علق النسيان
على أيِّ أطلالٍ يَنزفُ النَّاي لحنَه الصَّدِئ
لا تَرفعي صَوتكِ بالصراخ
فالحطَّاب لا تَعنيه جِراح الغابة
و الفأس لا تُقدِّم اعتذاراً للصَفصافة الثكلَى
أُنبوب أُكسُجين و وَعدا مَبتور السَّاقين
لن يُعيدَا النَّبض للصَديد النائم في قاعِ المَشرحة
ضِد التيَّار بمركبٍ عَجوز
التَهمَتها أنياب الزَّهايمَر
يُحاول الرُبَّان
إعادَة الزَّمن المَفقود مِن رَحمِ أُورشَليم
حاولتُ الغَرق
و لكن البَحر كان مشغولاً
بنَتفِ شَعر إبِطه
أما الرَّحيل فكان لَعنة
مَعقودة بأَحبالي الصَّوتية
كيف أَنفيكِ مِن داخلي .؟!
و أنا المَنحوت مِن طينِك
كيف أُعبِّئ أنهارَكِ بالنِّفاق .؟!
و أكتبُ عن الحُب الدَّافِق مِن صَدرِك .؟!
و العَار ما عادَ عاراً
و الذِّئب أضحَى حملاً
و ليلَى تُسلِّم نَفسَها لأوَّل ذَكر يَدخُل الحانَة
قَصيدَة الحُب
في عَينيكِ الفاجِرَتين
جَريمة بمَلامحِ قُبلَة
فخُّ زَمني يَبتلعُ ريقَه بصُعوبة
بلسَم على جرحٍ مُتقيِّح
فأَطلِقي النار على ذاكرتي
و دَعيني أَعيش
الشاعر المصري احمد نصرالله