الثلاثاء، 29 أغسطس 2023

سرمك يرافق الحطّاب بحثا عن "عشبة جلجامش ألاديب قاسم محمد مجيد

 سرمك يرافق الحطّاب بحثا عن "عشبة جلجامش

،،،
حسين سرمك يستمد عنوان كتابه من قصيدة مهمة للشاعر جواد الحطاب وهي "الرحلة الثانية لجلجامش".
الأحد 2018/08/26
إطلالة شعرية شكلت اهتماما نقديا
الحطاب: الشعراء الفاشلون وحدهم من يبحثون عن (جيل) يؤرشفهم ويدوّن أسماءهم في أضابيره
الكتاب "السرمكي" يشكّل إطلالة واعية على منجز الحطاب في الشعر والنثر
من المؤكّد أن القارىء يقدّر مدى صعوبة الإلمام بمقالة محدودة عن كتاب نقدي مهم يرصد شاعرا تمثل تجربته الأدبية مساحة إبداعية وزمنية كبيرة، كونه واحدا من شعراء الجيل الصاخب المتعدد الأصوات والتجارب يقع في قلب الشعرية العراقية والعربية، الجيل السبعيني، على الرغم من النقّاد جميعا قد اتفقوا على أنه هذا الشاعر "عصيّ على التجييل".
إصدار جديد للناقد المبدع الدكتور حسين سرمك عن الشاعر الكبير جواد الحطاب، عن "دار نينوى" اختار له الناقد عنوانا لافتا "أفعى جلجامش، وعشبة الحطاب الجديدة" وقد استمد هذا العنوان من قصيدة مهمة للشاعر الحطاب منشورة في ديوانه الثاني "يوم لإيواء الوقت" ألا وهي "الرحلة الثانية لجلجامش" حيث يقود الحطاب فيها البطل الرافديني "جلجامش" في رحلة جديدة لم يكن الغرض منها البحث عن الخلود عن طريق الـ "عشبة السحرية" لكنه الخلود المتحقق عن طريق الالتحام بالفقراء هذه المرّة، والحطاب والفقراء – كما يعرف المتابعون لشعره - توأمان لا يمكن الفصل بينهما منذ ديوانه الأول "سلاما أيها الفقراء" وحتى آخر ما ينشره من قصائد منتمية للأرض والإنسان.
في مقدمة الكتاب اختار الدكتور سرمك، مقتطفات من أسئلة وجهها للحطاب عن موضوع لا يزال يشغل بال المهتمين بالنقد وكتابة التاريخ الشعري ألا وهو قضية التجييل التي تثير بين الحين والآخر ملاحظات وآراء متباينة مثيرة للجدل.
يقول الحطاب في بعض جوابه عن هذه الإشكالية "الجيلية":
"إن الشعراء الفاشلين وحدهم من يبحثون عن (جيل) يؤرشفهم ويدوّن أسماءهم في أضابيره، أما الشعراء الحقيقيون فكل الأجيال هي جيلهم الذي ينتمون إليه ويرفدونه بنعمة انتسابهم له" (الفصل الخامس).
مثلما يوزن الحطاب مفردات قصائده بعناية ودقه دون إسراف أو مغالاة، منحنا الحوار بينه وبين سرمك آفاقا جديدة عن رؤية الشاعر لكثير من قضايا الشعر والنثر والموت والحرب الحرب
يمكنني القول إن الكتاب "السرمكي" يشكّل إطلالة واعية على منجز الحطاب في الشعر والنثر، وان كان الناقد قد أكّد فيه أنه هو "جزء أول" من رصده لتجربة الشاعر جواد الحطاب، وأن هناك جزءا ثانيا في الطريق، لكن ذلك لم يمنع الناقد من صحبة القارئ في رحلة نقدية للتمتع بين ثنايا تاريخ إبداعي يمتد لأربعة عقود، ويبدأ منهجيا في تأشيرها في عام 1978 كأول إطلالة شعرية شكلت اهتماما نقديا وبداية شعرية واثقة حين نشر ديوانه الأول "سلاما أيها الفقراء" والذي منحه صفة مشرفة كشاعر للفقراء "هؤلاء هم من سكن أصابعي، من تسلقوها كما يتسلق السحرة المكانس في الحكايات الخرافية" كما يقول الحطاب عن فقرائه في ص164.
ولم يتاخر طويلا بعدها في النشر إذ أنجز مجموعة شعرية للأطفال عام 1982 "يا قمرا في البصرة" ليتبعها في نشر مجموعة قصصية أسماها "تلال يغسلها الصباح"، وبودي أن أشير هنا إلى انتباهة الناقد حسين سرمك إلى أن إحدى قصائد الحطاب المكتوبة للأطفال والتي أسمها "الفيل يستحم" قد أقرتها وزارة التربية السورية لتكون ضمن المنهج الدراسي الابتدائي، وتصبح إحدى محفوظات الطفولة كأيقونة جمالية تعلّم التلاميذ وهم في بدايات سني دراستهم الأولية الخيال والكلمة المموسقة، وهو ما لم تنتبه إليه وزارة تربيتنا العراقية.
تضمن الكتاب الذي استعرضه هنا، خمسة فصول مبتدءا بـ عشبة جلجامش وأفعى الحطاب. والفصل الثاني "فندق الموت والخلود تأملات تحليلية في رواية يوميات فندق ابن الهيثم". أما الفصل الثالث فكان عن "نرسيس الحطاب" وهي تحليل لقصيدة زهرة نرسيس من مجموعة "شتاء عاطل" عام 1997. والفصل الرابع "دماء على القباب المذهبة" تحليل لقصيدة "استغاثة الاعزل" في رثاء الشهيدة أطوار بهجت. والفصل الخامس والاخير "سرمك يحاور الحطاب"، ولعله أخطر فصول الكتاب، حيث تمكن الناقد وبما يملكه من براعة نقدية - نفسية، باعتباره طبيبا نفسيا بارعا، من الغور إلى أعماق الشاعر واستجواب مكامنه في حوارية بإمكاني القول عنها إنها "وثيقة" تاريخية لكونها شملت محطات عديدة في تجربة جواد الحطاب الشعرية والحياتية، لاسيما ونحن جميعا نعرف أن الشاعر الحطاب ضنين بالمقابلات، وغالبا ما يتهرب منها، وهذا الفصل يحسب لحسين سرمك حقا.
في الفصل الأول يفتتح الناقد كتابه باقتباس من الحطاب "في نيتي أن امتطي البحر - وأضع اللجام في فكيه"، وهو تغليف ماهر كما يقول سرمك عندما أقتطع الحطاب في البداية جزءا من الملحمة، ويذكر هنا حديث ننسون ام جلجامش الى الإله شمش:
"علام اعطيت ولدي جلجامش
قلبا مضطربا لا يستقر
وحثثته
فاعتزم سفرا بعيدا"
وقد انطلق سرمك في محاولة جادة لإعطاء دور مهم للتحليل النفسي على اعتبار أن بعض الاختيارات لا تتم اعتباطا أو دون توافق نفسي، ليختم الفصل بتلك الرؤيا التي تنظر للخلود من زاوية خلود الكلمة وبقائها، وتتضح رؤية الشاعر ومعتقداته عن الحياة والموت والمصير الإنساني الهش والمرتبك المسكون بالرغبة في الحياة الأبدية، الحطاب الذي يدفعه خياله بقوة المهماز ليتنفس رائحة اللوحات الحجرية:
"المهماز بخاصرتي
اتنفس رائحة اللوحات الحجرية
أسال هذا النهر الواقف عن حكمته
وأصادق وحش البر
يا صاحبة الحانة
أبحث عن نار
أنضج فيها الحلم
وماء
أغسل فيه الليل". (قصيدة الرحلة الثانية لجلجامش)
وحسنا فعل حسين سرمك، وكان موفقا في استقرائه لـ "يوميات ابن الهيثم" والذي تابع هذا الجانب من تجربة الحطّاب النثرية، أو الروائية المهمة والتي سجّل فيها الشاعر "يوميات فندق الموت"، والتي لم يتوان في مقدمتها عن إثارة قضية انحيازه للفقراء، وبالتأكيد أن "سرمك" لم يخترها اعتباطا، وإنما أراد من خلالها أن يوثّق كيف أن الحطاب منح الفقراء جل ما يكتب سواء في الشعر أو النثر: "لا أحد يعرف الوطن مثلما نعرفه نحن الفقراء، فقد بنيناه طابوقة طابوقة، وعبدناه، شارعا شارعا".
وفي مكان آخر ينقل الناقد الدكتور حسين سرمك عن الحطاب في يومياته تلك، وكأنّه ينقل قصيدة سردية "أعزي النفس، يا نفسي، كم يدفع الآخرون كي يصلوا إلى ما وصلت إليه، كم حياة يدفعون بدلا لحياتك في الحرب؟ ثم انهض ضاربا ركبتي بقبضتي.. ياللبهاء.. أن تمسك موتك من أبطيه وترفعه بمؤازرة عينيك تتمعن في وجهه!".
إنني بالمحبة اغوي الحياة
اليوميات التي أفرد لها الكتاب فصلا كاملا، هي عبارة عن مذكرات يومية لمحارب قضى سنوات الحرب، وكتب عنها بكل صدق وأمانة مقدما لنا الجندي بكل حالاته الإنسانية من شجاعة وخوف وحب، ليتنقل بنا في صفحات الرواية عبر عشرات المواقف التي تؤكد وطنيته التي لم يزل أمينا لها حتى اليوم، بالرغم من أن البلاد قد أكلت الحرب خيرة شبابها وجعلت أيامها، وأيام الحطاب، مجللة بالسواد والفجيعة، لكن قدر الشعراء وكبار المبدعين أن يكونوا محكومين بالأمل لحين انبعاث أوطانهم.
ولا مجال هنا في تلك القراءة لبحث اليوميات التي ختمها سرمك حين أشار إلى أن الحطاب كان متشائلا في يومياته، حين أكّد في إحدى إجاباته لسرمك من أن أنواط الشجاعة تباع اليوم في الأرصفة مع الأحذية العسكرية، لكنها مرحلة تاريخية كتب عنها الحطاب بمصداقية ووعي عميق. أما القصيدة التي يطالب الحطاب بقراءتها في غالبية المهرجانات التي يدعى للاشتراك فيها سواء من قبل الجمهور أو الهيئات التنظيمية وبإصرار، وأعني هنا قصيدة "زهرة نرسيس" والتي ضمنها الناقد في فصله الثالث، وأشبعها بحثا من الجانب النفسي والعاطفي، ولعلّ من المتعة ان أذكر النص هنا:
".. كل من عاشر امرأة
دون إذني
عدوي!
كل من عاشرت رجلا
ليس يشبهني
خائنة!
أنا ودّ الاله على الأرض
معجزتي
أنني بالمحبة اغوي الحياة
لي: كل النساء - فقط
وللآخرين
الذي
قد تبقى من الكائنات!"
ويستحضرني قول للدكتورة الناقدة دجلة السماوي استقطعه من دراستها الطويلة عن القصيدة النرسيسية، حيث تصف السماوي الشاعر الحطاب بانّه في هذه القصيدة قد "نصّب نفسه حاكما عسكريا لقضية المرأة" مضيفة أن "جواد الحطاب قد صاغ باقتدار مشهود له قصيدة غرائبية فشكل ذلك رصيدا جديدا من الابتكار يضعه ضمن طليعة المبدعين المبتكرين في لعبه بالكلمات"، وهو ما توصّل إليه الناقد حسين سرمك كذلك.
الفصل ما قبل الاخير "دماء على قباب مذهبة" هو تحليل لقصيدة "استغاثة الأعزل" قصيدة الرثاء الكبيرة للشهيدة أطوار بهجت، وقد كان د. حسين سرمك منصفا حين وصف تلك المرثية بالمرعبة، وهو يشير إلى حجم الألم الذي سكبه الحطاب في نص مائز، في يوم غريب على تقاويم أيامنا ليظهر بجلاء عري القيم الجديدة في زمن ما بعد السقوط وارتفاع أسهم القتل في بورصة الإرهاب، والسقوط المدوي لها "ما أنتن الرجولة حين تنفرد بامرأة عزلاء" في مكان يحمل قدسية ومهابة من المفروض أن تراعى فيه حرمة الدم، وخصوصا دم النساء البريئات.
قصيدة الشهيدة مؤشر على ذلك المنحى التصاعدي لفجائعنا فاختيار العنوان "استغاثة الأعزل" له دلالاته الرمزية في وطن يفخخ نفسه كل يوم "القادمون من العتمة – الهواة بسمكرة الأجساد – نصبوا الكمائن للغزالة — وتراهنوا: خارطة العراق على صدرها – ذهب – أم شبه – السمكريون الهواة – اشتغلوا بغطرسة - على جسد الغزالة – واكتشفوا - أن الخرائط - من – بهجة وأطوار".
هذه القصيدة من المراثي الخالدة التي توقف عندها النقاد ومتابعو شعر جواد الحطّاب، لأنه حمل فيها عروش العصافير ومشى فوق شرايين المدينة المستباحة في فضاء محتقن ولا يبدو عبثيا السؤال المرعب الذي أطلقته القصيدة: من أين جاء طوفان الحقد والهمجية والقتل على الهوية في عراق الأنبياء والرسل والأديان السماوية؟!
ومثلما يوزن الحطاب مفردات قصائده بعناية ودقه دون إسراف أو مغالاة، منحنا الحوار بينه وبين سرمك آفاقا جديدة عن رؤية الشاعر لكثير من قضايا الشعر، والنثر، والموت، والحرب، الحرب التي أجاب صراحة أنه لم ينتم اليها، بقدر ما انتمى للفقراء الذين تقاسم معهم على السواتر الرغيف، والشظايا، لأنهم معين قصائده الذي لم يزل ينهل منه.
ختاما.. تحية إعجاب كبيرة للناقد الكبير حسين سرمك وهو يضيف لمكتباتنا سفرا نقديا عن الحطاب الذي بات محط الدراسات الأكاديمية داخل العراق وخارجه.
الاديب
قاسم محمد مجيد
بغداد

نور السعيدي و ،،سوريالية التجسد ،،،،في العالم المخروطي الشكل ،،حسب انعكاسه

 نور السعيدي و ،،سوريالية التجسد ،،،،في العالم المخروطي الشكل ،،حسب انعكاسه

ان تكون خارج ،،الحدث ،،،وتشخصه ،،بالإمكان. ان تدرك بعديه ،،وربما تخمن بعده الثالث،،،( الزمان - المكان - الفعل الإنساني الواعي ) ،لكن ان شئت ان تكون مصيباً،،لابد عليك من ان تنهمك في الحدث ،،حتى تتمكن من رؤية النتائج الإجرائية ،،التي تمخض عنها الحدث،،،دخولك او الانهماك ،،ليس بالضرورة ان يكون شرطاً كافياً،،لتحقق الحدث ،،بقدر ما هو شرط أفهامي لاحق ،،كذلك هو حال ،النص النقدي،،،الذي يسلط الضوء،،،ربما على ابعاد ،،لاتظهر للعيان ،،الا ،،بتحقق شرط الأفهام ،،،وهنا ما يجعل النص النقدي عمل إبداعي ،،،متفرد ،،ومتحقق بشروط جديدة،،،كعملية ابستمية ( معرفية ) ،،وهو ماذهب اليه ،،،شيخ النقد المعاصر،،،نورثرب. فراي ،،،بان الناقد. ليس سمساراً،،مروجاً ،،،للعمل الأدبي ،،في عملية تسويقية ،،،وهذا ماتم التأسيس عليه. لاحقاً،،في عملية التناص ،،،وتوسع البعد الدلالي ،،،ومايميز،،،عقل نور السعيدي،،،وعيها العلمي ،،الفطري،،،عندما قرأت خطاب القصيدة لكريم عاشور،،،مباشرة ادركت نقطة الارتكاز في القصيدة ،،،واتجهت اليها،،،بالضبط،،الى النواة،،،التي تتشكل منها المحاور،،او الإنساق ،،وقد حللت الإنساق سيميائياً دون ان تشعر،،( احلام - - حكايات ) ،،وهنا وعي الشاعر الحالم مقابل الحكايات ( الوقائع ) ،،وانثربولوجياً نفسياً،،،دون تقصد ( تجلي،،،تخلي ) والتجليات محاولة التمظهر ،،وإضفاء الهوية ببعدها الأنثربولوجي ،،،وانتكاسة نفسية مبدأها التخلي،،،،ولا اريد ان اسرق من القارىء لذة النص التحليلي ،،،ولكن هناك امر واحد فقط أشير اليه وهو لماذا تصورته عالم سوريالي التجسد مخروطي الشكل ،،،بالضبط عين نور السعيدي في اعلى علم قصيدة كريم عاشور تسلط الضوء على شكل شعاع،،،وفي الأسفل عالم عاشور الذي يمور بأشيائه ،،واغرب وألمع وصف حققته السعيدي عندما وصفت تجصص عين الشاعر،،بنفس الوقت هي تُمارس فعاليتها البصرية،،،عالم الشاعر أفقي دائري حلزوني ،،،ليس بالإمكان مشاهدته،،لولا عين الصقر المحلق ( نور السعيدي )
جمال قيسي
--------------------------------------------------_________________________-------------
،،،،،عاد أستاذنا جمال القيسي والشاعر كريم عاشور بنا صوب نص بحبكةٍ متناهيةٍ ،،،
لا ننتظر من الشاعر كبوة ،، هو يحكم قبضتهُ الأبداعية لنُصغي للأدلة الخاصة بهِ بأطلالة فنارية على مُعضلة كأنها معضلة آيديلوجية ليأخذنا لمساحة متشابكة غير قابلة للأنشطار من خلال منظار محشو بأبعادٍ مشوهة .
سمحتُ لنفسي أن أقرأ النص قراءة معكوسة فكانت قراءتي التالي ،،،
هناك مقصلة ، أحلام ، حكايات ــ كانت قراءة ولا أروع ،،
عدتُ بها من جديد ،، قرأت هناك ( تجلي و،، تَخلي ) ،،،
التجلي ،،، تتجلى الحكايات عندهُ ـ كل نهاية حكاية مُهددةٌ بالأنقراض هي أبتداء عندهُ كألم ، قاصمة قاتمة لها عند شاعرنا صفة التعرية ليقتفي أثر ألمهُ والذي يعتبرهُ حقهُ المشروع من أن يجعل محمولها الشعري والشعوري أشد كثافة وعُتمة مِن الهندسة المجازية والصوت للمفردة عن حاجة لا تُقهر للبحث عن سبيلٍ لحلمهِ الذي أضاعهُ على كومة من النهايات وهو المُحدَّق الصامت ( المخفي ـ المرئي ) يظهر بدرجاتٍ متفاوتة عند ( اعوامنا ) والتي أضحت مِحْنة أنسان يحلم بحلم بلونٍ صَدَفي ــ لكن ،،،،،،،،
هنا أرتجف أيقاع النص ليبرز لنا ال ( التخلي ) .
ما بين المرايا والمقصلة إنفجار درامي وكأنها تَخثر بأوردة النص تتليف خلاياها لتزمجر داخل شرنقة الأيمان المفقود من أنَّ الغَبش لن يجيئ لروحهِ المَتعبة حَدْ الأعياء ( مرايا لا تشية حتى نفسها ) وكأنها إمتصاص لواقع أنفلاتي أُخْتيل بهِ حتى الصوت صوب مقصلتهِ وهنا تدفق صوري واللفظ الضارب جرأةً لينقلنا بذهنية عوالم هو يراها ،،، لنراها كحِبالٍ من الطين تمضغ قلبهُ ( السياب ) ونزعتهُ السوداوية تأبى النزول لكنهُ لم يجترح معجزة للعثور على حلمهُ وأعوامهُ المنفلتة من عِقال غربال حياتهِ .
نص قصم ظهر المألوف مُحاط بضبابية ومكابدة قصوى وهو المتفرج بعيون جِصيَّة لطابور من الدمى تتقدم ليزيد النص توتراً رغم حرصهُ الشديد على صفاء الفكرة ،،، لم أسمع موسيقى للصورة الشعرية وإن وِجدَتْ فهي كجوقة جنائزية لكن الكرة الأرتدادية تبقى تتحرك بمدارات هاجس يُغذي هاجس ليضغط على زِناد المفردة لتنطلق صوب مهمتهُ الأولى أن تبقى عينهُ على ( الأنسان ) الصائر الى الأريحية دون أن يرمش ليرسم خارطة النص
من زاوية رؤياهُ محطماً الغاية الآنية بحراسة مُشددة من عقلهِ ليَكون خليط عجيب من النزعة الأنسانية بمفردة صبورة أخذت من الطبيعة المهولة ( أرى ) أن رمزيتها هي { تَحامل على الواقع أكثر مما هي تشاؤم } من دون التصالح مع واقعه قط لأنسان أدمنَ على الأختزال بداخلهِ حطام مُشبع بالضربات القاصمة ليتركنا الشاعر أمام نص مُنجز من الأنجرار وراء خُطى الدمى السائرة صوب مقصلة ليُثبت لنا أنَّ ( التآكل التدريجي للروح هي جَرَّافة متطورة من صنع الأنسان بسخريات مُرعبة لسقوطٍ مُدَّوي ) .
آسفة جداً على الأطالة أساتذتي جمال القيسي ـ كريم عاشور ، مجرد قراءة / تحياتي ومودتي
لا يتوفر وصف للصورة.
كل التفاعلات:
أنت، وآفاق نقدية، وجمال قيسي وشخصان آخران

نقد النقد في البيئة الجزائرية ( قراءة في المفهوم) د:بالي وردة جامعة قاصدي مرباح ورقلة (الجزائر):

 نقد النقد

في البيئة الجزائرية ( قراءة في المفهوم)
د:بالي وردة
جامعة قاصدي
مرباح ورقلة (الجزائر):
...
حين رغب الإنسان في التعبير عن أفكاره وخوالج نفسه وانفعالاته، كان للأدب نصيب في دائرة الإبداع المتنوعة الفنون تعبيرا وتفكيرا، إمتاعا وإقناعا، فكانت مادة الأدب الأولية اللغة لما تحويه من قدرة على التواصل بشكل شفوي أوخطي ومن ثمة، يحيا الأدب تحت ديناميكية وفعالية النقد ليتطورا معا وبشكل تلازمي حسب حاجات ومتطلبات كل عصر، "ذلك أن طبيعة النقد تخضع لحتمية التطور والتفاعل مع نتائج العلوم الإنسانية في بيئتنا المختلفة، والتي يستفيد منها الناقد في تبرير مقاييسه وإعطائه صفة الموضوعية فالخطاب النقدي لا يستمد استراتجية من موضوعه بل من الخطابات الإنسانية المتعددة التي تتداخل مع المكونات السياسية والثقافية للمجتمع لتشكل حدود الممارسة النقدية وتنظم قنواتها المختلفة"
ومن ثمة كان لابد أن نعرج على مصطلح الأدب الذي يعد قرينة متلازمة له، لعل هذا المصطلح يحتوي على جزيئات متعددة من المعارف والفنون؛ حيث يستوجب في كل مرة مراعاة عامل الزمن الذي يقر به التأريخ؛ وعليه مصطلح الأدب(literature) مصطلح أخذ تطوره من روح الشعوب ومن تطور الأمم خاصة بانتقالها "من دور البداوة إلى أدوار المدينة والحضارة . وقد اختلفت عليها معان متقاربة حتى أخذت معناها الذي يتبادر إلى أذهاننا اليوم، و هو كلام إنشائي بليغ الذي يُقْصَدْ به التأثير في عواطف القراء والسامعين، سواء أكان شعراً أو نثراً" يركز هذا المفهوم على الجانب الشعوري الحسي متجاوزاً الجانب المعرفي الذي يساوي فيه بين الجانب الفني والعلمي(التجارب). كما نجد لهذا المصطلح جانبا أخلاقيا برز في عصر صدر الإسلام في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أدّبني ربّي فأحْسَنَ تأديبي )) .
ومع التطور الحاصل في الشق المفاهيمي لمصطلح الأدب الذي يعد "ملكة أو براعة راسخة في النفس كالبراعة في سائر الصناعات من خياطة ونجارة وسواهما" يتبين لنا من خلال هذا الطرح أن الأدب يحمل جانبين الأول فطري والثاني مكتسب كاكتساب الصناعات، على الرغم من تعدد دلالات الأدب إلا أنه يعني منذ القدم "الكلام الجيد من الشعر، أو النثر الذي يثير شعور القارئ، أو السامع ويحدث في نفسه لذة فنية كاللذة التي يحسها عند سماع الغناء، أو الموسيقى، أو رؤية الجمال؛ هو التعبير الجميل عن معاني الحياة وصورها، هو مأثور الشعر الجميل أو النثر البليغ المؤثر في النفس والمثير للعواطف؛ فلا بد فيه من معان تثير العواطف، وصياغة جميلة تؤدى بها هذه المعاني"
فبالرغم من تشعب العلوم والفنون، ولكن نستطيع القول: أنّ مصطلح الأدب استقر بشكل تدريجي فنا قائماً بذاته يجمع بين ثنائية (المعرفة والإبداع) أو بين ( العلم والفن ) فبذلك أصبح في عصرنا يعني كل ما يكتب ليعبر عن تجارب وأفكار وكل مايدور في خوالج النفس في شاكلة أجناس أدبية من رواية، وقصة، وشعر، ومقال وغيرها من التصنيفات والمشتقات.
إن النقد فضاء واسع، وقد وقف جل النقاد منذ طليعة وبوادر الفكر النقدي عنده وقفة مطولة في تحديد ما يجعل الإنسان يبدع معاني غير مسبوقة يتذوقها المتلقون بالقبول والثناء أو بالرفض وفي هذا التصريح لا يسعنا إلا أن نتساءل عن مفهوم النقد الأدبي، هذا الأخير الذي لا يمكننا في هذا المقام إلا أن ننعته بالمصطلح المتشعب، حيث يحمل في طياته عديد العلوم والفنون فتنوعت مفاهيمه بتعدد الإبداع الأدبي (فن الشعر، فن القصة، وفن الرواية، فن المقال) وغيرها إلا أننا وسط هذا التراكم والزخم المعرفي سنحاول مقاربة المفهوم من عدة زوايا أولها أن النقد فن، وثانيها أن النقد علم قائم بذاته، وثالثها أن النقد قراءة القراءة(نقد النقد) التي تنتج كتابة لها مبادئ.
إن الكلام عن الممارسة النقدية، أو النشاط النقدي يتطلب تحديد بعض المفاهيم والعلائق ولعل مفهوم النقد أبرزها، وعليه سنسلط الضوء على هذا الأخير من الجانب اللغوي الذي يعد البوابة الأولى لاكتشاف تبدلات المصطلح، فقد امتلأت المعاجم اللغوية بالشروح ولعل أبرزها ما جاء في.لسان العرب "لابن منظور" "تمييز الدراهم وإخراج الزائف منها..نقدت له الدراهم أي أعطيته، فانتقدها أي قبضها" ومن جهة أخرى تأخذ هذه الكلمة معنى عد الثمن في أساس البلاغة "الزمخشري" وهي "نقد الثمن، ونقده له فانتقده، ونقد النقاد الدراهم: ميز جيدها من رديئها" وفي مقاييس اللغة (نقد) "ومن الباب: نَقْد الدَّرهم، وذلك أن يُكشف عن حَاله في جَودَته أو غير ذلك" أما النقد عند "الجوهري" "نقدته الدراهم، ونقدت له الدراهم، أي أعطيته، فانتقدها، أي قبضها. نقدت الدراهم وانتقدتها، أخرجت منها الزيف" ويقول أيضا: "وناقدت فلانا، إذ ناقشته في الأمر" . في هذا المقام يمكن القول أن جل المعاجم اللغوية تكاد تتفق أن مصطلح النقد مصطلح مستورد من سياق الصيارفة للتميز بين الجيد والرديء؛ أي ما يوازي الغربلة والتمحيص والتصفية والتصنيف وبالنظر في الإصطلاح الغربي فهو عند "هاري شو harry shaw" "تقييم وتحليل فكري متعدد الجوانب وتنحدر كلمة(criticism) من الكلمة الإغريقية (kritikos) التي تعني القاضي" .
أما عن الجانب الاصطلاحي فقد وقف جملة من الدارسين والنقاد عند مصطلح النقد، هذا الأخير الذي تختلف مفاهيمه تارة وتتفق أخرى ومن ثمة يمكن أن نعد النقد "فن تقويم الأعمال الفنية والأدبية، وتحليلها تحليلا قائما على أساس علمي... أو هو الفحص العلمي للنصوص الأدبية من حيث مصدرها، وصحة نصها، وإنشاءها وصفتها، وتاريخها" ومن جهة أخرى هو فن أو علم التحليل والشرح والتمييز وبالتالي هو الحكم الذي تصدره على الشعر والنثر، وهو كذلك عند المحدثين تقدير النص الأدبي تقديراً صحيحاً وبيان قيمته ودرجته الأدبية. أو هو تحليل الآثار الأدبية والحكم عليها، وبيان قيمتها العامة، والموازنة بينها وبين ما يشبهها من الآثار أو هو "دراسة الأشياء وتفسيرها وتحليلها وموازنتها بغيرها المشابهة لها أو المقابلة، ثم الحكم عليها وبيان قيمتها ودرجتها" ومن المعلوم أن النقد قديم قدم العملية الإبداعية ومفهومه يختلف من عصر إلى آخر، ولكن العنصر المشترك هو التذوق للنصوص الإبداعية، فمن ثمة يرى "إحسان عباس" أن: "النقد في الحقيقة تعبير عن موقف كلي متكامل في النظرة إلى الفن عامة أو إلى الشعر خاصة يبدأ بتذوق، أي القدرة على التمييز، ويعبر منها إلى التفسير والتعليل والتحليل والتقييم" أما "محمد مندور" فيعرفه: "النقد الأدبي في أدق معانيه هو فن دراسة الأساليب وتمييزها، وذلك على أن نفهم لفظة الأسلوب بمعناها الواسع، فليس المقصود بذلك طرق الأداء اللغوية فحسب، بل المقصود منحى الكاتب العام وطريقته في التأليف والتعبير والتفكير والإحساس على السواء" وفي السياق نفسه تقول "سهير القلماوي": "المعنى الدقيق من مصطلح النقد وهوالتذوق الذي ينبني على الوصف ثم التحليل ثم الحكم " ، فكان مفهوم النقد يختلف من باحث إلى آخر فهذا "عبد السلام المسدي" ينطلق من وجهة لغوية التي يعدها جوهر العملية النقدية وأساسها حتى قال عن النقد الأدبي أنه:
"مدين في جل ما يعرفه في أيامنا من نماء وازدهار إلى المعرفة اللغوية" وهو يشير في ذلك إلى أن جوهر الأدب وقيمته تكمن في اللغة ـــــــ اللغة الواصفة ـــــــ فهو بذلك يرجع بنا إلى النقد المتقدم، لعلنا نقف معه نفس الموقف غير أن نقدنا الحديث (modernisme) يمثل مرحلة ثانية من القراءات (القارىء الناقد) التي تصنف في خانة الإبداع والنقد في آن واحد وعليه النقد دائرة شاسعة تحتوي كل الآداب والفنون؛ فهو يمثل روحها ودليل الديناميكية والحركية بغية التطور؛ فكان الأدب ركنا من أركانه في حين ذهب "إبراهيم رماني" إلى أنه "كتابة على كتابة، أو قراءة لكتابة" في هذا الطرح جعل من النقد كتابة على كتابة كإشارة لنقد النقد هذا من جهة وإرتباط القراءة بالكتابة هو العلاقة المباشرة بالنص الإبداعي الأول فيُفصل أكثر قائلا: "النقد هو اللغة الشارحة أو ما بعد اللغة، هو كلام على كلام وخطاب حول خطاب، يتقصى أعماق النص، يجلي ظلماته، يحدد مؤشراته، يعاني تجربته"
ولكننا نجد أنه يعد النقد إبداعا من ناحية معايشة التجربة الإبداعية أو فن له عديد السمات فيقدم تصورا أن "النقد إبداع شامل، تأطير للنص والعالم داخل فضاء لا ينتهي أبدا، إنه المصطلح الذي لا يتجمد في مفهوم أحادي الرمز المشبع بالدلالات المتنامية... النقد مواجهة مع النص معالجة لإشكاليته. ومن ثمة فهو معاينة للحياة، ومعاناة لأكبر مشكلاتها" بعد سرد الناقد "إبراهيم رماني" لمميزات النقد بأنه اللغة الشارحة أولًا، وهو كلام على كلام؛ أي أن النقد يرتبط بالشفوي والكتابي وخطاب حول خطاب؛ يعني أنه يتجاوز النص إلى أعماق النص بالتوغل فيه حتى يعاني تجربة المبدع ذاتها بين السطحي المباشر والعميق.أي تخليد مبدأ الكتابة في الإبداع والنقد هذه النظرة التي يقول فيها "رولان بارث": "يجب على النَّص الذي تكتبونه لي أن يعطيني الدليل بأنّه يرغبني وهذا الدليل موجود، إنَّه الكتابة، لتمكن في هذا: علم متعة الكلام ولم يبق من هذا العالم سوى منصف واحد، إنَّه الكتابة نفسها" التي تعد دليل التمرس في فعل المقروئية وفي ظل تعدد مفاهيم النقد الأدبي نجد من بينها ما جاء عند:
"عبد الملك مرتاض" الذي يربط علاقة النقد بالقراءة والكتابة من وجهة تعليلية يوضح أن علاقة القراءة بالكتابة هي علاقة الوجود بالموجود والعلة والمعلول وبالتالي النقد عنده هو "هو إنطاقُ المعاني الخرساء النّائمة في الكتابات التي يكتبها الكتّاب الأدباء عبر قرون طوال" كما يقر بحقيقة لطالما مثلت أقطاب تجاذب بين الدارسين ألا وهي هل النقد فنّ خالص؟ أم علم خالص؟ فيجيب "إننا لو سلمنا بعلمانية النقد الأدبي لكنا سلمنا، نتيجة لذلك، بضرورة وضع قيود صارمة للإبداع على نحو لا يستطيع أديب معه أن يبدع ويحلق ويتخيل، ذلك بأن القواعد التي تؤسس للإبداع كثيراً ما تحد من خيال المتخيل، وتضيق على المبدع المتألق... الإبداع بطبيعة تكوينه، يرفض القيود والقواعد العتيقة التي تعرقل مسيرته، وتساور حريته أما فنية النقد فربما تكون أدنى إلى حقيقة النقد من علميته حيث أن الإبداع في حد ذاته ضرْبٌ، حتما، من الفن الخالص ... أولى له أن يكون شيئاً يرتدي رداء الفنّيّة ليستطيع مقاربة الكتابة الأدبية وقراءتها"
في هذا الطرح يبين لنا الناقد أن النقد قوي الإندماج بالفن والعلمية في آن واحد كون الذوق هو أساس الإبداع والبصمة الذاتية والمصطلح والمنهج أهم مؤهلاته للعلمية كيف لا والنقد الأدبي ينتمي إلى حلقة العلوم الإنسانية لا العلوم التجريبية الصرفة، هذا عن مفهوم النقد عند "عبد الملك مرتاض" الذي لم يخرج هو الآخر عن المفاهيم السابقة التي تدل على أن النقد فن وعلم في آن واحد، مدركا ضرورة المزاوجة بين الفنية والعلمية في النقد وعليه يتبين مما تقدم أن المفاهيم جاءت متقاربة فيما بينها في الحدود العامة للنقد الأدبي؛ ذلك ما جعل الممارسات النقدية تتنوع وتتفرع أحيانا في الخطاب الواحد إما تنظيرا أو تطبيقا ،فكان النقد الظل التلازمي لكل إبداع بارز الخطوط.
ولما كانت الممارسة النقدية قائمة، فيجب التميز بين الناقد والقارئ المستهلك، وعليه يعد الناقد هو وسيط بين النص والمتلقي، هذا الوسيط الذي تغيب مكانته بغياب عدة عناصر ولعل أهمها الذوق إذ العملية النقدية متوقفة عليه، وغيابه يعني غياب الحكم النقدي تماما وغياب الجانب الفني وبالتالي الخلل في التفاعل مع الأثر الأدبي، بالإضافة إلى التمكن من اللغة من ناحية الكفاءة والمهارة ومن ثمة تشكل الثقافة بما فيها النحوية والصرفية والعروضية وحتى الشعبية هذا من جهة. ومن جهة ثانية يجب توفر كل الجوانب الأخلاقية التي تستوجب حضورها كعتاد مع كل باحث من بينها الأمانة العلمية التي تتمل في ثالوث (المنهج ـــ المصطلح ــ الموضوعية)
خلافا للمبدع الذي لا يجد حواجز في خرق المبادئ خاصة باعتباره حر الخيال والإبداع ــــ ليست الحرية دائما مطلقةــــــــــ، ولعل هذه الجوانب هي المؤهل للإبتعاد عن المجاملات والعصابيات والتحامل، وعليه كثيراً ما يعتمد الإبداع على الذوق والتجربة الذاتية برغم من أنه لا يوجد نقد موضوعي صرف على حد قول:"أناتول فرانس" بأن الناقد "هو ذلك الذي يروي مغامرات روحه في حضرة الروائع. ولا يوجد النقد الموضوعي أكثر من وجود الفن الموضوعي، أمل أولئك النقاد اللذين يظنون أنهم يضمنون أعمالهم أي شيء خلا أنفسهم فليسوا إلا ذلك الصنف السَّاذج الذي يكون انخداعه أكثر تضليلا وإيهاما" ، أي أن النقد برغم من أنه لا يتأسس إلا على حكم نقدي واع نابع عن تفاعل جملة من العوامل لعل أبرزها التحليل والتفسير إلا أنه لا يخلو من بصمة إنطباعية كقراءة أولى والتي يمكن عدها نصا جديداً قابلا لقراءة أخرى تعرف في الغالب بنقد النقد وعليه ماهو مفهوم نقد النقد القائم على قراءة القراءة؟. يعد نقد النقد وليد التطور في الدراسات الأدبية والنقدية، وعليه لما كان من المسلم به أن "النقد لا ينهض إلاّ بقراءة نصّه الّذي هو موضوع شغله، فإنّ القراءة يمكن أن تكون نقدية، أو أن تبقى مجرّد تلقٍ ساكن" ؛ أي أن النقد يتجاوز المشاركة اللغوية والقراءة السطحية إلى قراءة فاعلة تنتج عن القراءة الأولى وتعترف بكون " النقد قراءة عميقة تكشف في الأثر الأدبي عن مدرك، وتعمل على فك الرموز وتساهم في التأويل " وعليه إذا كان النقد " قراءة النصوص الأدبية، ووصفها وتفسيرها وتأويلها وتحليلها واستظهار خصائصها، ثم تقويمها بالحكم عليها بالجودة أو الرداءة استنادا إلى مجموعة من الأسس والمعايير النقدية" فإن نقد النقد هو قراءة تتجاوز القراءة الأولى لتصل إلى أعماقها، حيث تكون ملكة الذوق في الفعل القرائي الأول ذاتية ومؤسسة على حكم نقدي قوامه النص الإبداعي، أما القراءة النقدية الثانية تكون ملكة التذوق مؤسسة على الحكم النقدي الناتج عن النص الإبداعي
وعليه يعد نقد النقد قراءة نقدية لها أبعاد أهمها استناد الناقد إلى منهج له قواعده وأطره الواضحة، حيث تتجاوز الاستهلاك إلى التحليل والتفسير وبالتالي التركيب المتخصص كون "النقد ليس قراءة عادية" وعليه "تكون القراءة فعلا نقديا، يعني أن يكون القارئ ومن موقع معرفي في المجتمع، قادراً على الرفض والقبول، وعلى أن يكون حضوره النّشط في التعبير الثقافي، فيساهم في إنتاج هذه الثقافة ويدخل في حركة زمنه ممارساً فعل التغيير باتّجاه إبداع حياته" ؛ أي أن النقد قائم على تشخيص المختص الذي ينطلق من قراءة واعية تتجاوز السطحية وفق منهج يكفل له العلمية والمنهجية الواضحة.
فمن هنا نستنتج مما تقدم، أن النقد في الأغلب هو ممارسة فعالة تنطلق بقراءة مخصوصة لموضوع النص الأدبي قراءة وشرحا وتفسيرا وتأويلا، أما فيما يخص نقد النقد فموضوعه هو النقد نفسه بلغة واصفة تقف في اشتغالها على اللغة النقدية الأولى لينشأ نقد النقد الذي ينتج بدوره لغته المؤطرة لموضوعه بأدوات نظرية ومنهجية ومصطلحية تميزه عن الخطابات الأخرى فنقد النقد في انتمائه عند"عبد الملك مرتاض" هو"القراءة الاحترافية، لا القراءة الواردة في الذهن بالمفهوم الجماهيري والتي الغاية منها مجرد الاستهلاك الخاص، إنها القراءة المحكومة بإنتاج نص على أنقاضها هي نفسها، أو انطلاقا منها" كما يرى أن مفهوم نقد النقد هو نشاط فكري عرفته جميع الآداب مثل الأدب اللاتيني، والإغريقي والعربي القديم ومن ثمة يشير إلى أن أول من استخدمه " سرج دوبروفسكي" في مقدمة كتابه "لماذا النقد الجديد" ومن بعده "تودوروف" الذي أطلق نفس العنوان على كتبه .
أما نقد النقد عند علي حرب فهو إنطاق ما أنطقته القراءة الأولى التي تمارس على النص الأدبي أو على خطاب ما، ذلك أن الإبداع في حذ ذاته قراءة ضمنية للقريحة والمخيلة كون القراءة في الأساس لا تخلو من تشبيه من ناحية الشرح والتأويل فالقراءة، هي قراءة تتجاوز قراءة النصوص إلى قراءة العالم ، فهاهنا نلاحظ إشارة إلى النقد الثقافي أو إلى النقد العابر للتخصص الذي ينطلق من الخطاب الأدبي ليصل إلى تحليل الخطاب الكوني، وعليه من خلال ما سبق نلاحظ أن مفهوم نقد النقد لم يخرج عن مفهوم القراءة الثانية أو قراءة القراءة كما يسميها "عبد الملك مرتاض" هذه الأخيرة المتجذرة في التراث كممارسة، والغائبة كمصطلح كون نقد النقد يقوم في الأساس على الحوار النقدي الذي لم يكن النقاد المتقدمين بمعزل عنه حيث ينطلق الناقد مما أنتجه ناقد قبله من أحكام نقدية.
تجدر الملاحظة أن غاية النقد ونقد النقد هي تطور الأدب حيث يتجاوز كل منهما رفع أو خفض النصوص بقدر ما يهدفان إلى تذوق الإبداع بالفهم والتفهيم وكذا مساعدة المتلقي القارئ في التعرف على مواطن الجمال علما أن النقد ونقد النقد يتحدان في عديد الوظائف فهذا "عبد العزيز عتيق" يقر بأنها تتوجه إلى كل مقومات الحياة العلمية والفنية والاجتماعية والسياسية بقصد الإصلاح والإعانة على الترقي والهداية العاملين في كل هذه المجالات إلى أقوم السبل
وعليه تشكل وظيفة النقد ونقد النقد حالة شاملة لعدة جوانب في الحياة، خاصة ان الحياة في حركة والأدب الذي يشتغل عليه النقد فهو غير قار ويأبى السكون وعليه لعل "هدف الدراسات الأدبية هو معرفة الأفضل للمؤلفات" والمقصود هو أن هدف النقد ونقد النقد هو إنتاج معرفة خاصة يستفيد منها العمل الأدبي للكشف عن جوانب النضج الفني في النتاج الأدبي، كما ترى "سهير القلماوي" أن"الناقد يؤدي دوره من حيث أنه يضيء النص للقارئ. ولا تتحقق هذه الوظيفة إلا إذا كان الناقد واضحا لنفسه أولا ومن ثم يعرف على وجه اليقين فيم يتحدث، ومن آية زاوية من زوايا النقد المتشعبة يتحدث." أما عن "عبد المنعم خفاجي" فيختصرها في مهمتين "مهمة التفسير، ومهمة الحكم، أي إصدار الأحكام الأدبية في قضايا الأدب ومشكلاته"
كما نجد من وظائف النقد عند "محمد مصايف" وظيفة التنبيه فيقول: "النقد... ينبه القارئ إلى الأثر الجديد، ويدفعه إلى اقتنائه وتكوين رأي خاص فيه" أما "محمد مفتاح" فيقول: النقد عملية هادفة وليست تسلية أو لعباً حراً كما تره بعض المذاهب وإجمالا لأراء السابقين فإننا نرى أن وظيفة النقد ونقد النقد تتجاوز القراءة السطحية إلى قراءة أعمق تفحصا وتفسيرا وتنبيها للوصول إلى ثنايا وطيات الإبداع الأدبي لتطويره وتبين مواطن الجمال والرداءة فيه حتى يصل المبدع إلى إكتمال نسجه.
فمن خلال ما سبق نلخص الفرق بين النقد ونقد النقد في الخطاطة التالية:
الخطاطة رقم (01)
شرح الخطاطة:
يعد النقد التوأم التلازمي للأدب كيف لا وهو من يهيكله ويخضعه لأحكامه بهدف تطويره وفق الذوق والمنهج والمصطلحات ليشكل بذلك لغة واصفة تكون مادة أولية لنقد النقد فتنتج لغة واصفة أخرى متولدة عن الأولى (النقد) فيتشكل (نقد النقد) هذا الأخير الذي يستند على عدة علوم (الموسوعية ) لتكوين رأي منهجي له ما يميزه عن الخطابات الاخرى من الممكن أن نطلق عليه مصطلح تخصص التخصص (معنى المعنى)، وعليه فالنقد قراءة ونقد النقد قراءة القراءة ،حيث يشوب نقد النقد الكثير من المزالق تستوجب على الباحث أن يدرك أن الخوض فيه قائم على استجماع عديد العلوم المنهجية والفنون التذوقية كلازمة لممارسة نقد النقد....

ألبطل الإشكالي والتحولات الأديلوجية والدينية في رواية عاشقة من كنزا ربا / عبد الزهرة عماره بقلم الاديب عبدالحسين العبيدي

 ألبطل الإشكالي والتحولات الأديلوجية والدينية

في رواية عاشقة من كنزا ربا / عبد الزهرة عماره
بقلم الاديب
،،،
للسرد قدرات تُتيح له التعالق مع الكثير من الحقول المعرفية فتارة يتبادل الأدوار والمهام مع التأريخ فنراه يقص احداث تأريخيه كما هو الحال مع سرديات جورجي زيدان , وتارة مع السياسية فينتج لنا رواية سياسية . وهكذا باتت الرواية تشكل الوعاء المناسب للمرحلة التاريخية التي يمر بها المجتمع . ( أن الروائي العربي المعاصر قد أصبح - البوم – هو المؤرخ الحقيقي لكثير من أحداث الأمة وقضاياها , من خلال شخصيات مأزومة فكريا , ومهمشة اجتماعيا , ومغتربة إنسانيا – وهذه الشخصيات – التي تعاني وتناضل من أحل نفي عذابات الذات وتحقيق أهداف- صارت تشغل اليوم – مكانة رفيعة في شرفات فنون القص ) 1 . لقد عمد الكثير من الكتاب المعاصرين لتقديم تجارب سردية استثنائية تنتشل العقل المجتمعي من حالة الغيبوبة والرضوخ للعنف المفرط للدكتاتوريات
وقد اجتهدت رواية ( عاشقة من كنزاربا) للروائي العراقي عبد الزهرة عمارة . في رصد وتقديم صورة لمعاناة المجتمع العراقي , من خلال شخوص الرواية التي تكاد توحي لشدة واقعيتها بأنها توثيقية أذ تحقق فيها كل معايير الأدب الواقعي ( وقد حددت الكتابات النظرية عددا من المعايير للأدب الواقعي من أهمها تعريف الشخصيات الروائية بهويتها الواضحة , وبالخصائص الزمانية والمكانية التي تجدد حياتها , تعليل الأفعال التي تقوم بها الشخصيات , أحترام مبدأ السببية في الوقائع والأحداث )2 ( كانت طفولتي مضطربة و كان يوم ولادتي نذر شؤم كما قالت لي أمي ) ص21 ( مر اسبوع على اعتقالي من قبل افراد الحرس القومي , وقد قذفوني بلا رحمة في هذا السجن البائس بصورة مؤقتة بدلا من سجن البلدية الذي غص بالمعتقلين والمعتقلات ) ص9
. ان كاتب الرواية السياسية ليس بالضرورة أن يكون منتميا لأحد الأحزاب , لكنه بالمقابل يمتلك وعيا مغايرا يسعى لأقناع الأخرين به , مما قد يعرضه للاضطهاد (ان كاتب الرواية السياسية يستطيع طرح رؤيته للعالم من خلال سرد أحداث معاصرة )3 وهذا ما يجعل الكاتب أحيانا يخفف من صدمة الوقائع والحقائق ويقع بما يمكن تسميته بالسرد الخائف تحاشيا للدخول في مواجهة مع سلطة يختلف معها في الرأي .لكنه ايضا مطالب ان يقدم رؤاه السياسية أضافة الى رواية فنية مكتملة الأركان , وقد عانت الرواية من هذا الحذر . من خلال قيام رواز كريدي الصابئية المضطهدة على يد رئيس الحرس القومي في العمارة رسمي سعيد الذي رغب بها جسديا بأنفاذه من قبل عائلتها وتهريبه الى بغداد في الوقت الذي يسعى فيه التنظيم بألقاء القبض عليه ومحاسبته على الفظائع التي أرتكبها , ورده الجميل لهم بعد انقلاب 1968 بأطلاق زوجها الشيوعي عادل أبراهيم ( ومضت ستة أيام وكان يوم خميس طرق الباب وهرولت وكان رسمي واقفا امام الباب لوحده ودار رأسي لكني تمالكت نفسي قائلة – أين عادل وألتفت رسمي الى الوراء وصاح – استاذ عادل ... تفضل . ثم أردف قائلا - هكذا العهد يارواز ... لقد ردت لكم الأمانة ) ص156 . هذه الوقائع تتجاوز منطق الأحداث ولا تقدم موقفا انسانيا مبررا , أن قيام انقلاب بقيادة عبدالسلام عارف هو الذي أنقذ رواز من الزواج القسري من رئيس الحرس القومي , وقد جانبت الرواية حقائقها في هذا الطرح وأرسلت رسالة خاطئة ... رغم أنها أفلحت في عرض رؤاها بطريقة تبتعد كثيرا عن الرمزية والغموض
أن رواز كريدي/عاشقة من كانزاربا /البطل الرئيسي في الرواية .
هي شخصية هشة ,لا مبدئية متقلبة لا تمتلك وعيا سياسيا , خلافا لما ظهرت عليه , اذ أنها سرعان ما غيرت انتمائها السياسي والمذهبي (كان قلبي هائم بأفكار وجودية رمادية ... أريد أن أتزع هذه الأفكار بالصلاة .. أي صلاة ... وعندما قرأت كتاب اقتصادنا الى السيد محمد باقر الصدر أذهلني ما قرأت ... وحينها تغيرت الى الطريق السليم ... عرفت الحقيقة ... عرفت المعنى الحقيقي للماركسية لذلك تنحيت عنه جانبا وتركتها الى الأبد وتخلصت من الشيوعية والى الأبد أيضا ... مزقت الكتب والدفاتر والكراريس ) ص 141 .وهكذا قدمت براءتها من كل قناعاتها السابقة و اعتنقت قناعات تختلف كليا عن تلك التي ورثتها من بيئتها , وهي بذلك تدين قطاع فكري وسياسي وديني يمس الكثيرين .
في المجتمعات البشرية غالبا ما توضع خطوط حمر ( تابو ) لا يسمح بتجاوزها و تتعلق بثلاث مواضيع رئيسية هي الدين والسياسية والجنس . ويظل المجتمع يمارس سطوته مما يحفز النخبة للخوض في هذه المحظورات وكشف المسكوت عنه والحد من هيمنته . لقد أولت الرواية العربية المعاصرة ومنذ وقت مبكر اهتماما كبيرا بالقضايا السياسية وبيان مدى تأثيرها على الناس , كروايات حنا مينا , غسان كنفاني , عبدالرحمن منيف ...الخ .
عنوان رواية ( عاشقة من كنزاربا ) التي نشرت للمرة الأولى في العام 1979, يلفت الانتباه ويثير الكثير من التساؤلات , فالكنزا ربا هو الكتاب المقدس للديانة المندائية وهي من أقدم الديانات التوحيدية في العالم ويعود انتمائها الديني لسيدنا يحيي بن زكريا (ع) . وثقافتنا عن هذه الديانة تنحصر بالثقافة الشعبية والأساطير ,والجهل المطلق بكتابهم المقدس وقد أفلحت الرواية بنقل بعض آياته وبعض الأدعية التي يرددها المندائيون مما وفر فرصة ولو ضئيلة للاطلاع عليها . مارس العنوان أحدى أهم واجباته في أثارة فضول القارئ خلافا لعناوين بقية الروايات ك( والتقينا في بروكسل , كلاب في الظلام , في انتظار القمر , فادية , شقراء البصرة , قطة في الطريق ) . قرأت الاستهلال فوجدت نفسي في خضم فترة زمنية مضطربة من تأريخ العراق السياسي ساد فيها تنظيم مدعوم من قوى عالمية وعربية ودينية لكل منها مبرراته , التي راح ضحيتها شعب بلد أسمه العراق ( عام 1963 . سجن العمارة المركزي . زنزانة رقم 9 )ص9..دون أن يقع الكاتب في مطب الأديولوجية على حساب الوعي الجمالي .
( يشير الكاتب الألماني جوته الى ان الرواية الحديثة باعتبارها ملجمة ذاتية بطالب فيها الكاتب بتصوير العالم بطريقته الخاصة, واذا كانت لدية طريقه خاصة في رؤية العالم أو وجهه نظر بالسياسية , فأن ذلك يأتي من تلقاء نفسه , بعد أن يكون قد شكل العناصر الرئيسية لعمله الأدبي ) 4
لقد أضحت السياسة المحرك الأساس لكل نشاطات الشعوب , واصبحت الرواية السياسية , التي تلعب فيها قضايا ومصائر الشعوب , حاضرة في المشهد الأدبي .
(كان الوقت ساعة الظهيرة عندما القي القبض عليّ ) ص 9
رواز كريدي / العمر 17 سنة الخامس العلمي / الديانة صابئية (انت من طائفة الصابئة
نعم . ) ص13
كانت رواز كريدي هي الراوي كلي العلم الذي يقص علينا الأحداث في الرواية المكونة من ثمانية فصول تحمل أسماء الشخصيا ت الرئيسية فيها عدا الفصلين الأخيرين ( عسل الحب والنهاية ) حتى لنكاد نقرأ سيرتها الذاتية وذكرياتها المؤلمة خلال فترة الانقلاب .ولاحقا طرحت قناعاتها الجديد في الدين والسياسة
يكشف لنا الفصل الأول الذي يحمل اسمها ( رواز كريدي) انها تعرفت على الماركسية من خلال كتب أخيها سروان . وانتمت الى رابطة الشبيبة عندما فاتحتها مسؤولة الشبيبة فاضلة عمارة
ان بطلة الرواية بطل أشكالي وهذا هو الحال في الرواية السياسية اذ يتحرك بطلها ضمن اطار الأيديولوجيا التي يؤمن بها وكثيرا ما يقع ضحية لها
( أن معاناة البطل الاشكالي تتمثل في رغبته في التغير لصالح رؤاه الحضارية وهو غالبا ما يكتفي بالأحلام قي التغير ) 3
فهي تسعى لأن تكون مغايرة عن السائد , تارة عبر مشاكساتها مع المؤسسة الرسمية /المدرسة ( أبتي في درس الدين , لماذا يأمروني بالخروج من الصف , أنا وصديقتي مريم ؟ ....هل ربنا يختلف عن ربهم ؟) ص22
وتارة في حياتها اليومية عبر المغايرة مع السائد من الأعراف ( - لن أتزوج الا بقناعتي . وتقول أمي بتوسل 0 نحن أقلية وعقيدتنا لا تسمح بالزواج من غير طائفتنا .وأرد عليها بحزم أنا لا أؤمن بعقيدتكم ولا بأي عقيدة أخرى ) ص 36
وأخرى عبر نشاطها السياسي الذي لم تفصح عنه الرواية , ولكنه يبدو واضحا من خلال الدوال التي تبثها ,فهي تقر بأنها ماركسية – لينينية ولكنها لم تصرح بأنها شيوعية , وتعرضها للاعتقال على يد العناصر الانقلابية , أضافة الى كونها شابة فاتنة في عنفوان توهجها . ( أنا أحب الله والماركسية مذهبي ولينين قائدي ) ص37 .ان بطل الرواية (شخصية تبحث عن القيم الأصيلة في واقع اجتماعي مضطرب من حيث السلوك والقيم وهو يتصف بقدر من الوعي الفكري العميق لكنه عاجز عن اصلاح مجتمعه أنه مثقف فكريا لكنه غير قادر على الحركة سلوكيا ومن ثم ينتهي بها الحال الى ان يصبح شخصية مهمشة ومغتربة ) 5
وبذا فأن رواية عاشقة من كنزاربا تكاد تكون بحثا في الاضطهاد السياسي .أن المبنى السردي للرواية يتشكل من محورين أساسين متوازيين يشكلان الثيمة الرئيسة التي أشتغل عليها السارد وهما
المحور السياسي /يتمثل بحدوث انقلاب دموي في 8 شباط/1963
المحور الإنساني / وجود علاقة عاطفية بين فتاة مندائية /رواز كريدي / وشاب مسلم /عادل ابراهيم يجمع بينهما التوافق الفكري اذ كلاهما ينتميان لنفس التنظيم , وهي أشاره خفية أن هذا التنظيم ضد هذا التقسيمات الطائفية والعرقية مما يجعله قادرا على تمثيل شعب متعدد الأعراق والطوائف . ولكن المشكلة تبقى قائمة
(وهل عادل صابئي
- طبعا صابئي
- - كيف عرفتي ؟
- لأنه أكل طعامنا
- ماما ... وهل هذا دليل على أنه صابئي
- لا تكوني غبية .. هل تعلمي أن المسلم يتنجس حتى من مصافحتنا فكيف بعادل شرب وأكل من زادنا ) ص44
- وفي مقطع أخر ( لنسلم أن عادل مسلما فهل يقبل أن يتزوج صابئية ؟ ) ص45
ان الخوض في هكذا ثيمات / تابوات اضافة الى لجوء الروائي الى ذكر أحداث حقيقية كإعلان الأحكام العرفية من قبل الحاكم العسكري رشيد مصلح و حضور الجلاد ناظم كزار ومتصرف الناصرية هاشم قدوري أضافة الى حقيقية الأماكن التي دارت بها الأحداث منح الرواية الكثير من المصداقية والتنافر مع السرد التقليدي السائد
لقد منحت الرواية القارئ صورة بنارومية للتقاليد والشعائر المتبعة في الأعراس المندائية عبر نقل مراسيم زواج سروان بأبنة عمه زاهية بعد أن تجاوز حب شابة مسيحية اكثر جمالا / مريم نصوري ( كانت رغبتي الشديدة ان يرتبط سروان بمريم وحاولت جاهدة ان اذلل الصعاب بينهما لكن سروان كان يرفض ) ص70
, وكانت تلك من الأهداف التي سعت اليها الرواية (جاء احد الكهنة حاملا خاتم الريحان وشيئا من الماء المبارك وقليل من اللوز والزبيب ) ض 71 ( وفجأة سمعت مريم شيئا قد كسر فقالت هذا فأل شؤم وقلت لها وانا اضحك هذه الجرة الاولى قد كسرت وهذه هي اجدى الشعائر الدينية بالزواج) ص72
وبالمقابل هناك ما هو فائض في السرد لا يخدم الرواية كما هو الحال في مقطع تلقي مديرة المدرسة رسالة من رجل يسعى لمقابلتها فظنته عريس جاء لخطبتها ليتضح لاحقا انه جاء بسب ابنته و هو حدث مقحم لا مبرر له سوى السخرية من المديرة القاسية , ورفعه لن يؤثر على سير الاحداث . أن رواية ( عاشقة من كنزاربا ) رواية أرخت لحقبة مريرة من تأريخ العراق الحديث وقد أمتلكت شجاعتها في التصدي العلني للدكتاتورية ونظامها القمعي وكانت مخلصة قللت الحيف عن شريحة اجتماعية أضطهدها جهل العامة . ان أغلب شخصيات الرواية التي تشكل عالمها الحكائي مهمشة ومضطهدة .أنها رواية تسعى لتعزيز السلم المجتمعي وينبغي أن تأخذ مكانها في دنيا الرواية العراقية أن ثيمتها فرضت تمسكها بأساليب التيار الواقعي لعرض الحقائق كما حدثت
الهوامش
1, 3,5 الرواية السياسية طه وادي
2 الواقعية في الأدب / حسان عباس / منشور
4 نقلا عن قضايا ادبية حسين مروة
رواية عاشقة من كتزا ربا

السبت، 12 أغسطس 2023

عادل مردان يستخرج اللؤلؤ والمرجان من اصدافه / بقلم الاديب هيثم جبار

 عادل مردان يستخرج اللؤلؤ والمرجان من اصدافه

بقلم الاديب هيثم جبار
ها هو مرة اخرى صاحب انشاد حامل الجمر ومنسق احلام الشرق , الذي لا تحضره السكينة , صاحب صباحات العالم , جامع الاصداف عاد من البحر , يحمل كيسا من المحار , فترحب به بقرته الحمراء , وتبشره بانها ولدت ثلاثة توائم , غير انه كان لا يبالي , واخذ يفكر بالاصداف يرفعها من المحار ليستخرج لؤلؤ المعنى ومرجان الكلمات , لا يريد اي حنين يقيده في مكان واحد , عنده الاشجار عارضات ازياء , روحه روح طير اخضر تلاحقه العيون اليابسة , وهو يرفرف من سطح لسطح , حتى احس في وجع بجناح روحه الخضراء ,هذا هو عادل مردان له شطحاته اليومية يمشي على رؤوس اصابعه ويدندن باغنية عتيقة , فيتبعه سرب من اللقالق والنوارس , الا ان الصيادين يتبخترون بحقائب موّن الموت لهذه الطيور, لذا لا صاحب له سوى الليل حيث قال اتركني يا ليل هنا واذهب , فانا سكير ادعو الله ان يغير يوم ميلادي , وجنيتي تسالني ماذا جنيت من الالهام , ثم يعود الرائي الى كأسه الرابعة تحت شجرة الابد , فما الزمن عنده الا اجسادا مكومة كالزقورات والأبراج , والتأمل هو الدواء الوحيد لهذا الزمن , فهو جليس داره يصوغ الامنيات لانوثة الجداول , ويبحث بالرمل عبثا عسى ان يجد بغيته , مهووسٌ بالموسيقى الا انه يساق الى المقصلة , لانه ارتكب مجزرة في سرب النمل , ومن فرط حبه للمراة اخذ يرثيها بكلمات لم يخلق مثلهن في عالم الاغنيات الحزينة , حيث وصف تقاليدنا الاجتماعية بالمكنسة الكهربائية التي تكتسح القوارير في اي شجار معهن .
يوم الشجار اسود
حتما ستنحاز مكنستنا
الكهربائية الى القوارير
عادل مردان الخبير بتربية الكلمات , كلمات رشيقة وكلمات سمان , كلمات قصيرة وطويلة , كلمات واضحة ومبهمة .لا اعرف ما هذه الكلمات هل هي جياد برية صعبة الترويض , هل هي طواويس جميلة تنفش ريشها في الحدائق , هل هي قطط بريئة ام نمور شرسة , هل هي ارانب ام ثعالب ماكرة , ؟؟ تهويمات عادل مردان تفتح آفاقا واسعة في البحث والقراءة , البحث عن المكنون والمخفي داخل هذه التهويمات.
قبل اكثر من اربعمائة عام سُؤل الناقد باكثير الحضرمي المتوفي سنة 975 هــ صاحب كتاب ((تنبيه الاديب على ما في شعر ابي الطيب من الحسن والمعيب)) ماهو اجود الشعر واقبحه ؟؟ فقال : اجود الشعر اخفاه واصدقه , واقبح الشعر اكذبه واظهره .. نعم اجود الشعر اخفاه , على الشاعر ان يخفي معان المفردات ولكن كيف اذا جعل هذا الاخفاء مثل اختفاء اللؤلؤ داخل الاصداف ؟ هنا على القارئ ان يجهد نفسه , فليس كل محارة نرفع عنها الصدفة نجد داخلها لؤلؤة , لذا اخذت اقرا كل تهويمة ثلاث او اربع مرات حتى تتشكل عندي الرؤيا , رؤيا المعنى , المعنى الذي تصوغه مخيلتي ،مخيلتي التي تنسج الخيوط ، الخيوط الدقيقة التي علق بها عادل مردان هذه التهويمات , فارتأيتُ ان ابدا من اخر الاصداف الى اولها , من حوريات النهر حيث يجتمعن تحت شجرة الاكاسيا قرب الشط في منتصف النهار , الى الانزواء والابتذال الى الحياة المتبرعمة المسافرة في الخيال , وفي نهاية كل عام يتطاير رماد السنين.
فعرفت انه يميل ببعض تهويماته الى الانثى , الانثى التي سيبني لها كوخا على نهر خياله الجارف , حيث تطل عليه بعد عودته باسمة وقانعة , ها هو المفتون بغمازتيك في وجنتيك المدهشتين , كأنك ملكة تتسللين من جدارية آشور وتنامين قرب زهرة البابونج , اهدأي ايتها الانثى فالاعشاب هنا لا يدانيها القلق .
على الرغم من ان الشاعر لا يحبذ فن الهايكو , ويعده فنا خاصا باليابانيين الا ان في تهويماته التي تصل الى المئتين تهويمة نجد سبع او ثمان منها جاءت بزي الهايكو وبشروطه اليابانية ومنها
الغنى لا يطاردهم
يرتدي الفقر اقنعة الوقاية
في شبكات التسول
****
تكتشف اخيرا
حمية سكان الكهف
حتى معرفة تفاصيلها
النساء في هلع
****
اي تعزيمات
ينشدها الى النجوم
ميت يبتسم في الحياة
*****
الكلاب تنبح الجهات
مشاهد الخوف تتعاقب
مثل نشاط النحل
فلكيات الميديا
في هذه التهويمات حياة الشاعر باكملها بهدوئها بصخبها بجنونها بعشبها المصادق للانسان , فهو يطالب بتكوين جديد لكل من حوله ويبدا بنفسه حيث يقول / تكويني صار قديما / اريد ان اتخلق / بكيان اخر / , فكلما راقص ظله اختفى الظل وبقي وحيدا , فاوهامه تلعب في حديقة مخياله , والدنيا طفلة تحبو لا تفهم مرثيات هذا المشاغب الذي يمسك بيده سفرجلة سيضعها يوما على ضريح هذه الكلمات , اخطاؤه كثيرة ولكنه دائما يعنفها , والرماديون الجاثمون على صدورنا يعرفهم الشاعر واحدا واحدا , ولكن رحابة الرؤيا علمته كيف يكسر انف اليأس بهذه التهويمات
فهو يصف تهويماته بهذا الوصف المبدع حيث يقول :
لا اريدها منسوجة
من حروف فقط
بل تقصف العمق
دورنز مفخخة
في فضاء التلقي
الدورنز جمع دورن , والدورن هي الطائرة المسيرة بدون طيار , رغم هذا الصخب وهذا الانفجار وهذه الضجة تخاطبه احدى مرجاناته التهويمية الهادئة على لسان شاعرها حيث يقول :
الهدوء سلامك الداخلي
يا من افنيت ايامك
بالكلمات
الله على هذا اللؤلؤ وهذا المرجان الذي استخرجته من هذه الاصداف.

الأدميرال لا يحب الشاي صورة تاريخ أم كوميديا سوداء قراءة في رواية (الأدميرال لا يحب الشاي )للكاتب نزار عبد الستار .. بقلم الناقد محمد رستم ،،،


 الأدميرال لا يحب الشاي صورة تاريخ أم كوميديا سوداء

قراءة في رواية (الأدميرال لا يحب الشاي )للكاتب نزار عبد الستار ..
بقلم
الناقد محمد رستم
،،،
جمالية الأدب تكمن في أنّه مادة غير يقينيّة فهو يخلق عالماً فنيّاً موازياً للواقع لكنّه يتكئ على الخيال وعلى مفاعيل المكياجات والمبالغات لذا فإنّ الحكم عليه يضرب في فضاءات التكهّن والتخمين ،ومن هنا كان لا بد ّ من تعدد الرؤى والآراء حوله ..
العنونة (الأدميرال لا يحب الشاي )هي العتبة الأولى للمنجز ،الأدميرال رتبة عسكريّة لعلّها إشارة إلى الجيش أو الحرب ،(وهو ما كانت بل وما زالت تعتمد عليه الدول الاستعماريّة في هيمنتها على العالم ) ،لا يحب الحب من المشاعر واستخدام لا النافية يدل على انتفاء المشاعر لديه ،الشاي مادة تجارية مصدرها الهند والشاي مشروب الطبقة الفقيرة .
إذا جيش وصراع وحروب تسود فيها المشاعرالسلبيّة في مجال التجارة ساحتهاالعراق والهند والصين ..
تستلقي الرواية على سرير الواقعيّة التاريخيّة تعرض أحداثاً نقلها الكاتب ببراعة إلى عالم فنيّ يغصّ بمحمولات تاريخيّة مشوّقة وأطماع استعماريّة تجاريّة فاضحة . ومع أنّ رواية التاريخ والحروب تكون دائماً على تماس مباشر مع السياسة والإيديولوجيا (ومن هنا تتبدى درجة المخاطرة فيها فقد تقع في فخ المباشرة أو الواقعيّة الفجة مما يسيء إليها ) وبوضوح يبدو موقف الكاتب غير الحيادي والانحياز إلى جانب الشعوب المغلوبة والمنهوبة .
مقولة الرواية وهدفها الإشاري هو فضح جرائم الدول الاستعماريّة ورسم صورة واضحة للأساليب التي انتهجتها الامبراطوريات الاستعماريّة (من جرائم وسرقة لخيرات الشعوب )وتنمّر واستعلاء عليها يرمز لذلك .
(وجود لوحة تظهر فيها الهند كامرأة جاثية على ركبتيها تقدّم تاجها المرصّع بالجواهر إلى السيّدة بريطانيا ) معلّقة في مقر شركة الهند الشرقيّة في لندن، وكذلك نسخة أخرى منها علقها زيز في قصره في الهند ...
ولأن الرواية تكاد تكون سيرة ذاتيّة لبطلها عزيز نعرف به
أمه الأميرة الهندوسيّة آكشي هربت مع الضابط الانكليزي تشارلز لانكستر
والده (وفي) عربي من البصرة تزوج آكشي أدخل تقنيّة جديدة على المدفع المحمول على السفن فضموه إلى مصنع الأسلحة لكنه مات بعد أن أنجبت آكشي عزيز الذي ولد في حوض السفن في بريطانيا وأصبح مشرّداً . فقام لانكستر مدير الحسابات في الشركة باخراج عزيز من ملجأ الأيتام وألحقه بقصره . لكنّه تلقى تقريراً عن سلوك عزيز العنيف وإنّه لا يمكن إبقاؤه بين الأطفال لأنّه يشبه ابن الشيطان .فوضعه لانكستر في عهدة مربّية قصره التي لم تقدر على ترويضه فأعفته من كل ما يمت لأتكيت التربية الأرستقراطية من( نظام الأكل النظافة العزف على البيانو ) إذا والده بالتبني لانكستر هذا في الظاهر وهنا نسأل ماوراء اهتمام لانكستر بعزيزأيعود ذلك لأنّه والده الحقيقي ؟؟؟ثم لماذا هربت آكشي مع لانكستر ؟؟ وهل عزيز هو ابن حرام من لقاء غير معلن بين آكشي ولانكستر ؟؟؟؟
زيز هذا هجين اجتمعت فيه عدة عناصر أب عربي بصري وأم هندوسية ومتبن انكليزي ،كما أنّه بروستانتي التسجيل اسلامي الأصل .
وحين بلغ لانكستر 77 عاما ودع زيز وطلب منه العودة إلى لندن ومعه ثروة يستطيع بها شراء أسهم الشركة وقال له ..نحن لا نريد الاستيلاء على الهند وإنما نريد تدمير الصين هذا ما يجب فعله كي تصبح انكليزياً حقيقياً(كلمة حقيقياً هنا)تشي بأنه انكليزي من طرف إبيه بالتبني وعربي من جهة أبيه بالنسب وهندي من طرف أمه أي أنّه هجين غير نقي
وبالتأكيد فإن السيطرة على تجارة الأفيون تقف وراء قوّة شركة الهند الشرقيّة ..ونظراً لخبرة زيز وتميزه فقد نصبته الشركة قائداً لها في حربها مع الهنود لتجبرهم على زراعة الأفيون فأوجد قانوناً عقابيّاً ماسأويّاً(بتراليد والرجل للرجال والأثداء للنساء )..
انهمك زيز في القسوة لأنّه قرر أن يكون إنكليزيّاً مخلصاًأمام بريطانيا.كان قلبه فحمة حجريّة ، وحواسه متقيّحة بالحقد كان يعتقد أن قتل الوثنيين يوفر الطعام والاعتماد على الله فقط في الموت يربك الرياضيّات (هذه فكرة نازيّة بالطبع وما يشيع في وقتنا الحالي عن قصة المليار الذهبي أي إنقاص البشرية من سبعة مليارات إلى مليار تندرج في ذات الخانة .ففي عام 1994 تمت الموافقة على خفض سكان العالم من 6 مليارات إلى مليار واحد المتحدث كان سبينسر وكيل الاستخبارات المضادة الأمريكية )...
وزيز يؤمن أنّ المشاريع المدرّة للمال تبدأ بالحروب أولاً.وأنّ التجارة تحتاج للبنادق ..
وتطلب الأمر من زيز اغتصاب مئات الهنديات في بلدة بيهار (بلدة أمّه )
وذلك لتوسيع زراعة الأفيون حين أخبرته السلطات البريطانيّة العليا .
أنّ الصين عملاق نائم عندما تستيقظ ستهزّ العالم دعها تنم لهذا نصدر لهم الأفيون ..
فأنشأ فرقة (بنات دم القمر )وتم تدريبهن على القتال والجريمة فصرن يقتلن بمهارة أعداء شركة الهند وينفذن ذلك بأريحية وكأنها أعمال عاديّة وفي ستة أشهر اغتيل 19 انكليزيّا منافساً وأحرقت 63 مزرعة أفيون منافسة كما أنّه قتل كل المنافسين له من تجار القهوة .الهولنديين
وتوصّل زيز إلى أنّ لاسلطة لأحد عليه ففكتوريا ملكة بريطانيا قالت لرئيس الوزراء ضاحكة (ضعوا صورة ابن لانكستر على الروبية الإنكليزية بدلا من صورتي وسترتفع قيمتها )
فمضى زيز في ارتكاب الجرائم دون حسيب أو رقيب وهذا ما زاد في تضخّم ذاته حتى ظنّ أن الشمس تشرق بصياحه وصار يقول (أنا شركة الهند الشرقيّة البريطانيّة )
ولأنّه منحرف لا يقيم للدين أي اعتبار يقول (خيرك ،تجارتك الناجحة .الكتب المقدّسة للفقراء )
ولعل هذا الانحراف في سلوكه وعدوانيّته الشرسة يعود إلى أنّ جينات متعددة الجنسيات شكلت هندسته الوراثيّة فهو ذو دم خليط (لانكستر إنكليزي ، وفي عربي ، آكشي هندوسيّة )ورد في رواية لوليتا للروائي نابكوف (لعل اختلاط جنسيات مختلفة في نسب همبرت سبب شذوذه الجنسي (فهو ذو دم خليط أبوه سويسري ،أمه إنكليزيّة جده فرنسي جدته نمسويّة ) لقد نجح الكاتب في رسم شخصيّة زيز وتخليق الفضا
المحايث له ، فلأجواء العامة محمومة بالتنافس على مناطق نفوذ تجاريّة وهذه ساحة تناسب الحالات الشاذة فبدت شخصيّة زيز نموذجاً للمريض النفسي بقيمه المنحطة وطموحاته التي لاحد لها فهاجسه الدائم الشهرة والسيطرة والثراء والحياة برأيه دون ذلك طبخة حصى خالية الدسم .
وظلت وصيّة والده لانكستر قانونه في الحياة (المال هو الذي يجعلك أدميرالاً حقيقيّاً ) وتلبية لنوازعه الاجراميّة وتركيبته النفسيّة المبنيّة على لسع عقارب الكراهيّة الطاغية على طبعه فقد اتخذ الجريمة رمحاً يصارع به طواحين أحلامه بالجاه والثروة وللدلالة على أعماقه المجرمة يقول (..لا أستطيع التخلي عن القسوة نحن لا ننطق بكلمات رقيقة خشية أن نفقد دوافعنا في القتل والسرقة .) كما أنّ عبارة (بات يشك في صلاحيّة توحشه في ارتكاب الجرائم )تؤكّد ذلك ويقول لعمّه ( أنا آثم )هو يعترف صراحة بانحرافه
وهو انتهازي فقد رضي بحذف الحرف الأول (ع) من اسمه فصار( زيز بدل عزيز )عندما اقتضت مصلحته ذلك وهو الحرف الذي يؤكد عروبته فغير العربي لا يقدر على لفظه وعاد إلى اسم عزيز حين فرضت مصلحته ذلك ..وحين غدت مصلحته في نشر تجارة الشاي
وجد فيها تكفيرا يليق بالأرواح التي أزهقها من أجل الطمع (في تجارة الأفيون أو الاغتيالات ) وأنّه يريد أن يكون صالحاً في نشرتجارة الشاي لأنه يجمع الأسر ويساعد الفقراء على الشفاء من الأمراض ويزيد من انجاب البصريين وهذا يحسّن العلاقة مع الله الهندوسي والبروتستانتي والمسلم واليهودي .
وبسبب مرضه النفسي ومع كل النرجسيّة السوداء فهو يحس بالدونيّة تجاه بريطانيا (سألوه لماذا كنت تقتل الهنود وأنت ابن آكشي ..أجاب كنت أريد أن أكون انكليزيّاً فهذا أعظم شيء يمكن الحصول عليه ..)
لقد بدا زيز منذ يفاعته مريضا سيكوباتيّاً غير قابل للتكيّف مع محيطه وغير قادر على التأقلم مع أي نظام حياتي لذا صار في كبره يرتكب الجريمة بدم بارد وبقلب من صخر إنّه شخصيّة ذات سلوكية عدائيّة وقد يكون هو ذاته ضحيّة هالة مرعبة من دوافع الجريمة في أعماقه النفسيّة ، فهو يحقق رغباته الشخصيّة تحت ذريعة خدمة المصالح البريطانيّة ،فيدوّن على أرشيف الجريمة اليومي بطولة جديدة في القتل ،
إنّه ممن يتصيّدون في زواريب الفرص المخاتلة ،فعنكبوت الجريمة لديه ينسج شباكه المميتة من خيوط القسوة العارية من أية شفقة .
لذا فقد برز كعنصر فاعل فالانعطافات التي صنعها بجرائمه أحدثت متغيرات أساسيّة في المنطقة الواقعة تحت النفوذ البريطاني من العراق حتى الهند والصين .ورد في الرواية (زيز لم يقتل هنديّا منذ سبعة أعوام هذا يعني أننا أفلسنا ) هكذا ربط الثراء بجرائم زيز .
لقد اختار الكاتب الجريمة والقتل حاملاً لروايته حين جعل بطله مدمن قتل ، وبيّن تلاشي القيم الفاضلة أمام شراهة الاستملاك والسيطرة
فواقع التجارة مغمّس بالقبح والحرب غير المعلنة . فالأماكن التي تظهر الهدوء هي في حقيقتها ساحة حرب خفيّة فلا أحد يعلم متى تتساقط الضحايا وتسيل الدماء (البصرة مثال ) . فالصراع على مناطق النفوذ التجاري هو المغزل الذي نسج عليه الكاتب أحداث مرويّته .وزيز نموذج للدول الاستعماريّة
(هويت يسأل زيز تشتري نصف السوق أم تستأجره أجاب زيز ..لا هذا ولا ذاك ، أستولي عليه كما فعلت انكلترا مع الهند )
لقد ،كان زيز ينام في عسل الوهم حين ظن أنّه انتصر بانتصار الشاي على القهوة فكانت نهايته ..
وزيز هو جوكر الأحداث الظاهر منها والخفي ومهما بدا فاعلاً كالوزير على رقعة الشطرنج يضرب في كل الاتجاهات دون حسيب أو رقيب إنما كان يفعل ذلك تحت شرطيّة المصالح البريطانيّة فالملكة فكتوريا شملته بحمايتها ولم تعاقبه على سرقته سفينة الفضة بل اكتفت بنقله من الهند إلى البصرة فالمصالح البريطانيّة هي صاحبة البطولة الحقيقيّة وما الشخصيّات إلا بيادق على الرقعة ..
وربّما جعل زيز عربي الأصل هو لإبعاد شبهة الجريمة عن بريطانيا ذات البعد الحضاري ورد في الرواية (ورغم وضاعة أصله العربي فقد استطاع تحقيق انتصارات مالية باهرة نظّفت السمعة السيّئة لأبطال الشركة .
ويبرز على ساحة الرواية خطان متضادّان ،خط الاستقامة العظيمة للشرف العسكري البريطاني والأرستقراطيّة البريطانيّة يمثله اللورد بنتنك ، والخط القذر الذي تحتاجه شركة الهند الشرقيّة لكي تحصل على المزيد من المال يمثله زيز . بنتنك يقول لزيز (أنت الشركة حقاً ولكن قانون بريطانيا وشرفها لن يسمحا بالمزيد من الجرائم ،هذا الظلم سينتهي أجابه زيز مادام الجميع بحاجة إلى المال فلن يكون هناك قانون وشرف
وفضحت الرواية أساليب المستعمر في إحداث الفرقة بين الطوائف (نهجم على السيخ بالهنود الذين بشرناهم بالمسيحيّة ونستولي على أراضي المسلمين بجيش من الهندوس ونطرد الهندوس بمقاتلين من المسلمين المغول لقد صارت بريطانيا غنيّة وعظيمة بالهنود علينا شكرهم والوقوف معهم هذه هي نزاهة الشر وعدالة القسوة )
ولعل الخلط في نسب زيز إشارة إلى التلاحم العضوي بين أقطاب العمليّة التجاريّة المستورد بريطانيا ممثلة بلانكستر المتبني لزيز والمصدر الهند ممثلة بالأم آكشي والساحة التجاريّة الموصل يمثلها الأب وفي الميت ..
اعتمدت الرواية لغة شاعريّة جميلة في مضامين الكوميديا السوداء (استقبلوه بعطش عاطفي )....(تزيل عن الجدران سخام العزوبيّة )
الرواية كتبت بمنطق الكوميديا السوداء الساخرة لعل عبارة (الاعتماد على الله فقط في الموت يربك الرياضيات ) خير مثال فزيز يريد مشاركة الله في احداث الموت حتى تصبح المعادلة الرياضيّة سليمة أي يريد إنقاص عدد البشر وفق نظريّة (المليار الذهبي )
و واضح كيف اعتمد الكاتب الألفاظ الجنسيّة الموغلة في بشاعتها كجزرة غواية ..كما في ص (30 كذلك 245وكذلك 256) وجاء وصف موقع الأنوثة لدى مارينكا فاقعا منفّرا في ص (64)
كما اعتمد الكاتب العنونات الفرعيّة لكسر تراتبيّة الزمن السردي بما يحقق الفلاش باك لإدهاش القارئ..
ولعل الكاتب أكثر من ذكر الأماكن (البصرة ، الهند ،الصين ، عمان)..
شط العرب ، مقاطعة المهيجران ....ألخ ) لتأكيد واقعيّة روايته
أخيرا جاءت النهاية بما يشي باستشراف المستقبل فمقتل زيز على يد المنتقم الصيني يدل على استيقاظ المارد الصيني .وأن يكون بالمسدس ذاته الذي يعرفه زيز مما يدل على أن الدول الاستعماريّة تقضي على أدواتها حين ينتهي دورها وزيز كان إحدى تلك الأدوات ....