الأربعاء، 15 مايو 2019

قراءة في كتاب مقترح: اضواء على العمود الشعري في نص الموسوي وشرعية التسمية من منظور اعتباري معاصر... قصيدة "مناجاة"إنموذجاً. نقدا وعرضا: الناقد حميد العنبر الخويلدي

وانا اتطلع لوجه النص في عموده ، وقد اغراني فانشددت، ولااعرف هل قد تحررتُ من طينة هيكلي وبالمقابل تحررتْ معي كذلك روح القصيدة هذي والمعنونة...مناجاة...
نعم حتما دخلنا عامل..هدم الكتلة البنّاء.. وللتوضيح عن حقيقة هدم الكتلة..هو ماان تتحرك الضرورات في الغيبي اولا وفي نفس الوقت بالواقع الوجودي..وكأنَّ هناك عجلتين او دولابين بعضهما يحرك البعض فتتم الاستجابة..وتبدو محرضات الداخل او الخارج ترهج براهجها المبرق حتى يدخل الجسد حُمّاهُ والتي نطلقُ عليها اصطلاحا ..حمّى التصيّر..وبهذي الكهرومغناطيسية ممكن ان تتحطم جبال افريست وصخور حمرين وزاكروس معا وبنفس اللحظة ،او كتلة دعسوقة حمراء النقوش..
حتى تخرج ارواح الاشياء وبالتحديد المُشْتَرَكات التي دخلت في صنعة صياغات النص..
واعني موضوع مقالتي... مناجاة..
وانا في المطلع ،وكان قد ضربني الهوى واخذني الى مرابع العرب الاولى والى الحياة البِكْر في فصولها ومناخاتها وخيامها ومرابعها وفرسانها وغيدها وحسناواتها وشعراءها وغزلانها والبراري والشجر..
تأملت بعيدا حتى استدركني هاجس مثير وانا اقرا المطلع ...
"خذي من النقع كحلا ياابنة العرب.."
هذي السعة من الدينامي والتي افترضتُ بها كيفية
ابتكار الطراز، كوني ناقداً اتحرّى حقايق الفكر، ولستُ بتحليقيٍّ مع النتاجات على طريقة كتابة الانشاء او كتابة سيرة.
هذا افتراض غَشاني من روح النص بمجرد ان استوعبتُ جمال وحدة القياس في الصورة وما ان انتهيت من احتمال عجز البيت في معناه الامتاعي ،حتى رايت وجهاً قابلني ورايت شعاعاً خجلت منه ..لولا ان تشبثتُ باراداتي فمكرتُ للتي هي فيَّ.. اطلعني وقتي كاشفني الاَخرُ
اوحى اليَّ لاتَخَفْ فلعلك انت العارف والمستشرف برؤياك ..نعم بمثل مارايتُ،،واريد ان اضبط سؤالي ..ماهو الذي رايته وانت عوّدتنا.. بحرفية نقداعتباري..على ان تسال لابد..
رايتُ وتخيّلتُ..رايت عرافة فحصرتُها لذاتي وتخيّلتُ الاخرَ الغايصَ في روح النص وراءه...اما عرافتي فنقول ان مصطلح العمود الشعري.ماقيل الا متاخراًجداً..وفي زمن البحتري اذ قال..
كان ابو تمام اغوص على المعاني مني ،وانا اقوم بعمود الشعر منه....
الموازنة..1...12
وهذا كان مفهوما نمر عليه ونتخطف مابه من انفاس تضيف لنا المفيد..
اما الان وانا في روح عرافات تحري الحال الدهَشي حيث اخذني اَمْرٌ وطوّحَ بي ان هناك عموداً غير الذي يظنون انه عمود الخيمة الملازم للبدوي في حركته وترحاله..
حيث توخّوْا ان عمود الشعر مربوط بادوات الشاعر المرافقة له طوال وقته..وهي الخيمة واعمدتها واوتادها وراحلته فرساً كانت ام ناقة..راجعت قراءتي لمناجاة
واكملت العجز ..
وخضبي طيلسان الجرح بالخبب
امتلكني الشك وتمنيت لو كان شك الفلاسفة لاتداعى بالفكرة..نعم كنت بريئا في تراجعي ولكني مصرٌ على عرافتي رغم انني احببت فطرتي ..رايتُ حين تداعتُ مفردةَ ..خضّبي..ورايت وتراخيت حين وقع مني رمز بالخبب..نعم هو الجواد..اظُنُّني شطحت عمّا رات عرافتي..
وافصح لقد راتْ قامةً عاليةً حتى ركّزتُ وتمكنتُ من تحديد التلاميح ،حدَّ ان فركت عيون باصرتي وليس عيوني من كتلة الجثمان فلعلها التي هدمتها الحمى
او نقطة البداية في سفري مع مناجاة..فالناقد كمثل الشاعر كلاهما مبدعان يمرّان بتلبّس الحمى التصيّرية..والا لم يدخلا على الوجود ابدا ويفتحا خزاناته.
واثبتُّ انه ليس عمود الخيمة التي توخاه المعنيّون ربطاً وتحليلاً..انما هي قامة الشاعر التي تمثل قامة العربي في زمنه، او قامة النبوّة باعتبارها جامعة المشروع العربي في حضارته...
وحتى لااشتُّ واكون مبتعدا عن مناجاة..اعتراني الشك وتركت مفهومي ورجعت اتابع حدّ اللذة
حيث رايت بنان التي تخضب الطيلسان المجازي للجرح وهي تركيبة معاصرة..تمثل ابا طبيخ غازي احمد نعمه شاعر مناجاة..وكيفية اعتماداته على البعد النوعي وانزياح الكمي فلسفة في ذاته الاعتبارية باعتقاده يفتح للوجود بمستوى جمال مضاف. وهذا حتم واجب على مثله لانه واضح واعني الشاعر من عرض اطروحته..
"حبيب قلبك ياليلاي مرتحل
لكنه قمر...
يزدان بالحجب.."
اخبارية مرصنة انجذبتُ معها في خيالي انذاك بعد رؤياي في عرافتي اول مشواري مع مناجاة..اذ لاح لي قامة انسان النص غير عمود افترضتْهُ المخيلاتُ بعد ثلاثة قرون..من اول بيت او مقطوعة افتانا بها المهلهل بن اوس او نص مكتمل الخصايص عُلّق على جداريات بيت الله للشاعر الضليل
للشاعر الملك امرؤ القيس..
"ماالموت غير جواد حط فارسه..
...............على المدى لاتراه
...............الناس من عجب"
اخبارية تتلو بتابعية معنى مردفة لما قبلها لتوسع للمستوى الجمالي المراد نوعا ورمزا..وما يجعلنا ننشد هو ان هناك لسان حال يجري مجرى الحدث والجهات. وهذا اللسان تؤكده هويته الفاظه وماهيته الجوهرية والتي تستبدل البارد الحجري بالساخن الابداعي..والذي له قدرة على العوض الاستبدالي،ومن المؤكد انه المبدع ذاته ..والمبدع عارض لاِهابهِ حتما اذ تراه هو هو ،وهل غير شاعر النص يتنقل حسب مواسم بلوغ الفعل..هذا يدفعني ان احرص على ازاحة الستار عن الوجه الباهر وراء القصيدة والذي بينه وبينها حلولية شهود ووحدة اعتبار تقاربية في الشكل او تجاور بالموقف..
ولعل الموقف الجامع بيننا ..انا وهو..واعني الشاعر الذي مثّلتْهُ قامتُهُ وشدتْني من ان اصبَّ رؤياي بصاع النقد، واكشف له عن النَّضْد الفريد.اذ اشّرتُ له بخيزرانة لَدِنة ومن على منضدة رمل ..شممنا بها عبق اباط الخيل وحمحمة انفاسها ،ولاُطبّعَ كنهَهُ اذ كان شموسا وظننتُ انني لم احِطْهُ.. كان شغوفا يشبح عينيه الى منارة واقفة. مسح جلدها دهرٌ طويل..فقلتُ ياصاحبي
اِلَيَّ اليَّ ..
اتعرفُ ما في قلبي من نور، لا عليك انظر تعاريشَه التي حضرت معي في خطوطي الرهجية. فلعل المادة سقطت اول المشوار..وهذا تاكيد ثان لك على ان الهدم حاصل للكتلة معا حين دخولنا موقف الخلق..
فردَّ عليَّ متبرّما باشارة اَمِرٍ واصبع
السيادة يلمس وسط صدره من قبالة قلبه..نعم انا شخصانيٌّ واسْمعْها...
"يرى ويشهد من يبكيه مكتفيا
..............بالدمع والحسرات السود
.....................................والنصب"
ادهشني فناولتُهُ..ترى وتشهد. ياله من اعتبار جار خالط روحينا ،فاحدث موجودنا عند حقيقة النور..ولكن لننتهز يارفيق محبتي منازل المؤانسة هذي، كي نخرج بِسِلَّمِ قامتِك ونعرض النظرَ العيانَ والبرهانَ ..فبعد غد قليل نبرد ويلبس كلٌّ منا حجارته الدهماء،
نعم وافقني، وقال جارني ولاتزعجْ حالي فاني نفورٌ وهذا طبع الشاعر
عليك باحكامك ولاتَمِلْ للهوى ،فينزلقَ بك الحكم وتفلت حلقة النقد منك..وتصبح اسلوبيا كسلامة موسى..قُلْ لاعرفكَ،وبرهنْ..
حملق بي..بعينين يزينهما احمرار الشرايين مع الابيض الناصع..اعجبني..وقال ما دهاك..
قلتُ له لا ارى عمود الآمدي ولا عمود الجاحظ وابن طباطبا ولا تعابير المتخيّلين اذ قالوا ان تسمية عمود النص ات من عمود خيمة الشاعر البدوي المرتحل مع الزمن...
انما ارى وتبيّنَ لي ان هناك سر حقيقة فكرية كلما توغلت رغبتي في ...مناجاة ...التي اجتزت الى الان وجهها الباهر الدوران، وبياض جيدها ولاانسى عنقها الذي يشبه عنق دورق اندلسي..والى ماتحت الحجاب الحاجز..ياويلي..من وصّاف
انا..متوغل وكلما غزر بي التخاطر رايت كشفي الذي ادور عليه بحثا ونقدا..لعل قامة هنا وهذي تفسيرية لتسمية عمود..كون النص يمثل قامة شاعره..وان اطوال البشر على عدد قوافي العربية اجزم..
فمنها الطويل جدا ومنها المتوسط
ومنها القصير وحتى القزم له وجود قياس، في مستوى بيتين او ثلاثة..
او كما ذكروا عن عمرو بن كلثوم انه كتب حتى اجتاز الف بيت..
نعم كتبها حين تلبسه زمن الاخرة السعيدة..لان النص اخرة سعيدة للاشياء..حتما. واخذ يهذي .."اذابلغ الفطام لنا صبي ..تخر له الجبابر ساجدينا"..كتب بزمن اخروي .. لأن المبدع هو الوحيد الذي يهتك الحجب..فكيف بك لو كان عبقرياً جباراً..
توتر صاحبي ابو طبيخ صاحب مناجاة فقلت له مالك..ا.ا.
ماذا دهاك.....؟
فسالني سؤالا..في افتراضِكَ هذا ان في كل نص عمودَي هناك قامة هي انا الشاعر فردانيا ام جمعيا.. وتقول في مشوار من الجدل انه يمثل المستوى النوعي للامة من خلال الفرد النوعي او الذات النوعي.. في الشاعر الذي سبق جميع النوعيين. وهذي ميزة لك يااباطبيخ باعتبارك الشاعر المجادل والمقابل..
وفي النبي وفي الامام والخليفة الراشد وسواهم ممن تبعوا..والنحويين وعلماء الكلام والقضاة والقادة و.و.وغيرهم الكثير..نعم تحركت بهم مفاصل التاريخ وحملوا الامة الى الخلود...
فكيف تنظر الى منعطف الشعر الحديث. وبالضبط العظيم بدر ورفاقة المبدعين الذين اتونا بالاخر النوعي ااذي اكمل دائرة الضوء...
لا اخفي انشجرت من الشاعر غازي وطرحت عليه صوره من مناجاة ناوياً بها التهرب او اخذ فسحة للتبصر..فقرات
"ومن تالق يقفو اثره صعداً
وسابق الريح مزهوا على النجب"..
شاغلته بسؤال من تقصد بالذي تالق هل هو ..انا الذي..تعني ذات ابي الطيب ام ركز في بالك صورة احد الابطال..كمثل الذين دخلوا النجومية..؟!
وكان ابا طبيخ كاشف لحيلتي وحابٌّ كشف قعري.. وعساه
يجرني من مناظير النقد الفكرية ااى طراوات النص اذ كان انانيا للمخلوق الجمالي..
فالتفت له بجواب مقتضب
قلت له ان انفلات عقد قوافي السياب بانشودة المطر. تمثل قامة الامة في بعدها الجمعي من خلال مسيرة شخوص افرادها الذين هم بعدد قوافي العربية او حروفها..فالامة في لغتها مختصر شريف..وبما انني ازيدك علما وثقة ان العصر هذا هو عصر الجماهير ،عصر الزحوف..
"اذا جاء نصر الله والفتح...ورايت الناس يدخلون في دين الله افواجا...فسبح.."..قران كريم..
افواجا ..تامّل ..نعم الروّاد مهدوا لمشروعنا القادم الاتي هذا ،ولا اريد ان ازوغ عن متابعتي لنصك..انا حريص على المعايشة..فان كان الشاعر في عموده اعني قامته جوهرا مثل الامة ونجح ،نعم نحن جميعا مقبلون جمهوراً كراديساً لحمل اممية الاسلام والامة..وما الشعراء سوى مبشرين قبل الانبياء حتما في الظاهراتية الكونية.
ان افيقوا ..ان اشهدوا..
وهكذا..فدائرة الشاخص والظل اكتملت بالفرد الشاعر وبالشعر الحداثوي المعاصر وتاذى يمثل السكك والجواد لناصيات العبور وصنع الضفة التي نريد..
واسمع نفسك ياهاشمي ماذا تقول وما انا بكاذب..
"ذري البكاء...
فما اغنى البكاء فتى"
كالشمس
لكنها غابت...
ولم يغبِ.. "!!
نعم فتى يعني فردا يعني قامةً مَثّلَ
امته..الستَ الناصحَ
"ذري البكاء"
والتي تذر البكاء فبالتأكيد تستبدله بالفرح..
وكنت حكيما .."فما اغنى البكاء فتى"
بهذا الايجاز التوصيفي لديك القدرة ان تعبر على غايتك..وعبرت..
"لكنها غابت"
هذي مشهوديتك عليها واعطاءك البرهنة .."ولم يغب"..
هذا لانك في العمود فرداني اما انا
فلعمرك اعطي الجواب بالجمعي..
"بغداد كعبته"..
من قال هذا اليس انت
"طود وحاسدها ثاو..عريض القفا.."؟
باغتُّهُ بمنعطف خشية الملل ..فقلت تعني عريض القفا تقصد تتري..من جماعات جنكيز خان القديم ام من جماعات برمودا التتر المعاصرين. فضحكنا تبسُّماً..
ووجدته حكيما..في بيت وصورة
"لامجد يامن تريد المجد متكئاً..
على الوسادة......"
تلى ان اوقفته على منصات الزمن ليس الطلل الدارس انما الناموس والمشعل في المثل الحاضر..
وكاني اجد ظالتي في ابي تمام..
السيف اصدق...
ياترى هذي قامة عبرت بالزمن كما عبرت بالامة..
اما الان ياصاحبي، دعني وشاني اكمل ،فلقد تلبستني الخواتيم والبراهين ،وما كشفت لي عن هل اشبعُ غرورك ،ياذا القامة الرفيعة التي ابحث بها ،ومن خلالها عساني اسجل او احفر ،،على جداريات النقد شيئا يُحُسب..
قرّبْ وانظر بالعيان المكشوف واصمت بعده فلعله شغلي وليس شغلك..
"نعماك الف ابي تمام في دمنا.."
نعم هذي نبوءة. قلتَها انت وليس انا ،انا باحث فقط. انبش. ..
من هؤلاء الالف الذين تظاهروا بدمك يا شاعرنا المجيد..؟
اليس هذا مفهوم طرحتُه سلفا وقلت انفلتت عرى القافية الواحدة التي مثّلتْ انسانها الى قوافٍ بعدد حروف العربية التي مثّلت ابناء الامة باطوالهم. وماهياتهم..الامة ستجري معا بعدما جرت بافرادها الذين حملوها نوعا ..بالفن والادب والعلوم والفلسفات والبطولات وكل شيء..
وتعال انظر ولاتحاور، ساعطيك مرادك من برهان منظوري، واقتل به روح العمود الخشبي وارجعك الى روح عمود الله الذي تمثله انت والمبدعون..
بالله عليك هل من عمود له صدر وله عجز..اذا اخذنا الانجاز مربوطا بعمود خيمة البدوي..
لا ممكن اتفق معك واقول انه عمود النور في روحك ومظاهرك في شكلك..فالصدر صدرك والعجز اطرافك..
"مد الجناحين. فانثالت على يدنا"
اَيْ رفيق محبتي اليس هذا هو الصدر؟
"جراحه ..
بدم رواه الف نبي..."
وهذا لعمرك عجز البيت..
نعم حتى في الاكاديمي ولكن في مكاشفاتي هو عجز ادم الانسان..
هذا شيء..
ابتهل عليَّ وساريكَ شيئا اخرا..
تعال وانظر الى طبعات قدم ماشٍ
اعني اثره في طين مُمَلّكٍ ،ركّزْ
ان الطبعات تشبه ابيات القصيدة في نقشها على الورق ...
تبدا باليمنى صدرا وهذا ثابت وتثني عجزا باليسرى وهذا متحرك..فكن موعزا بساحة عرض عسكري ..واصغ للايعاز..
بما ان اليمنى ثابتة للكردوس..
فلابد من اعطاء الخطوة المكملة للهيئة كي تنتقل بموازنة النسبي وحفظ ايقاع المسير.
الخط المنقط ،،اَم،،ْ الثابت قبل الوثوب الاجرائي للموعز..
واس هذي هي مختصر اليسرى الملتحق باليمنى..
اس،، هنا اكتملت خطوة من مسيرة الف خطوة..هي بالحسابات الاعتبارية اعني حركة النص في زمن الذات الدينامي..
ام .....اس
ام.....اس.. وهكذا صعودا
الى .. ام ..وهكذا تتابعاً بالخطى او بصنع ابيات شعر القصيدة..
هذي يانديمي..بحد ذاتها هي صفات انسان..وايس صفات عمود الخيمه..كما وصفوا
واما تشابه تسلسل خط القوافي. وتشابه الحرف في جميع باءات النص.. العرب..الخبب..الحجب..عجب..نصب وهكذا الى اخر حرف باء في اخر بيت..ولاتنس قاعد لزوم مالا يلزم في المجازات والكنايات والاستعارة والجناس و.و.الخ علوم العربية ولم تتاثر في سبب..نعم التشابه ..اقول ان حرف القافية في العجز هو وقوف القدم وطبعة الرجل
والمرئي منها هو طرفها او قل ابهامها ،والابهام او اصابع الرجل عند البشر متشابهة اولا. بالعموم..وبالخصوص متشابهة عند الرجل او قل المبدع الشاعر..
وهذا برهان على انسنة روح كل نص
شكلا او بطانةً.. ولو اخذنا البطانات
فهي محتوى جوهر النص هو ذاته فحوى احاسيس الروح الانساني..عند الشاعر كيف يقترن ويثير الجدل وينفي ويؤيد ويحب ويكره ويربط ويفك وهكذا كل الفعل الناجز فيه...والقصايد دائما في حاصل حركة لم تقف..ولو وقفت لاعطت وجها فقط كما يعطي انسان واقف وجهَهُ ويخفي ظهرَه...
وهل من خطاب ساقه غير لسان..اصغ ..
"ياابن الحسين عداك الشر ان فتىً
يصكّ اذنَ العواتي......"
هذا خطاب وحضور لساني حاكٍ يعبر عن ماهية حدث او قضية..وهل غير انسان يقوم بهذي المهمة..فلو كان عموداً خشبياً مانطق انما كان عموداً انساناً ناطقاً..
'فبعد حين تبين الشمس ساطعة
ويظهر الحق منصورا."....
ان شاء الله...
هذا ما انسكب من دلوي..عساه نبعاً شربا....
""""""""""""""""
نص الشاعر:
""""""""""""""""
مناجاة :
"''''''''""""''''"""""
خُذي مِنَ النّقْعِ كُحْلاً يابْنةَ العربِ
وخضِّبي طَيْلسانَ الجُرْحِ بالخَبَبِ
.
حبيبُ قلبكِ يا ليلايَ مرتحلٌ
لكنّهُ قَمَرٌ يزدانُ بالحُجُبِ
.
ما الموتُ غيرَ جوادٍ حطَّ فارسُهُ
على المدى لاتراهُ الناسُ من عَجَبِِ
.
يرى ويشهدُ من يبكيهِ مكتفياً
بالدمعِ والحسراتِ السودِ والنصَبِ
.
ومَن تألَّقَ يقفو إثْرَهُ صُعُداً
وسابَقَ الريحَ مزهوّاً على النُّجُبِ
.
ذري البكاءَ فما أغنى البكاءُ فتىً
كالشمسِ لكنها غابتْ ولم يغِبِ
.
بغدادُ كعبتُه طودٌ وحاسدُها
ثاوٍ عريضُ القَفا في منزلٍ خرِبِ
.
لا مجدَ يا مَنْ تُريدُ المجدَ مُتّكِئا
على الوسادة والاعداء في صخَبِ
.
(السيفُ اصدق انباءً من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب)
.
نُعماكَ الفُ ابي تمامَ في دمِنا
يحدو بنا صوبَ ذاتِ الفخرِ في حدَبِ
.
وذا ابو الطيبِ المحكيِّ يشهدُنا
مُجنّحاً بينَ سِفْرِ الخيلِ والادبِ
.
مَدَّ الجناحينِ فٱنثالتْ على يدِنا
جراحُهُ بدمٍ روّاهُ الفُ نبي
.
فكفكفي الدمعَ يا أبهى مكلَّلةٍ
طُرّاً بذاتِ الصواري طيلةَ الحِقَبِ
.
لقدْ تبركنَ صبرُ الناسِ في أرَقٍ
من انتظارٍ على ابوابِ مُحْتَجِبِ
.
هاتيكَ احداقُ عمّوريةَ ٱنفرجتْ
على المدارِ تُناجي كوكبَ الارَبِ
.
وتجتبيهِ هلالاً مُجْلِباً بِغَدٍ
يلوحُ فوقَ ظهورِ الخيلِ عن قُرُبِ
.
يا بْنَ الحسينِ عداكَ الشرُّ إنَّ فتىً
يصكُّ اذنَ العواتي غيرَ مُضطَرِبِ
.
لَعائِدٌ بالتي ماانفكَّ يخطبُها
سُرايَ ليلاً وحقِّ الدينِ والحَسَبِ
.
أجري اليهِ وذاتي فيهِ عالقةٌ
كصائمٍ يستقي مِنْ كفِّهِ الرّطِبِ
.
في القلبِ الفُ ٱعتصامٍ فيهِ يجدُلُني
والفُ طالعةٍ مِنْ دوحةِ النسَبِ
.
حلّقْ فريداً سليلَ الفتحِ يا ثقتي
فرغمَ كلِّ جراحِ الارضِ لمْ تخِبِ
.
لقدْ ظهرتَ على كلِّ الخطوبِ وما
يدري عدوُّكَ أنّ الجرحَ لم يطِبِ
.
وانّ نِمْراً جريحاً لا ينامُ على
ضيمٍ وإنْ ضجّتِ الاجواء بالّلغَبِ
.
فبعدَ حينٍ تبينُ الشمسُ ساطعةً
ويظهر ُ الحقُّ منصوراً على الرِّيَبِ

قراءة في كتاب مقترح: الموسوي في رحاب ديوجين: *** بقلم أ. دنيا حبيب

من أول الفلاسفة والمفكرين والمتأملين إلى أبسط أبسط إنسان يعيش على هذه الأرض، جميعهم يبحثون عن هدف أسمى أو غاية عظمى أو سبب منطقي ومقنع يجعل من عيشهم هذا ذا جدوى وقيمة حقيقية، وما إن يصلوا لهذه الدرجة من الإحساس المجدي فهم إذن في طريقهم للتقدم والتطور بدءً من ذواتهم ومن ثم إلى تطوير مجتمعاتهم وعالمهم .
إذن نحن جميعنا كما لو كنا في سفينة نوح.ع. -من كل المخلوقات- نود أن ننجو من خلال معرفة سبب وجودنا والشعور بالغاية التي خلقنا من أجلها. وإن كان لا بد، فالشاعر قبل أن نصفه بهذا اللقب، فهو في أول الأمر وآخره إنسان، وكذلك هو باحث عن اعتبار وهدف، وما إن يتمكن من تنمية موهبته الشعرية،فسرعان ما يتخذ من شعره وسيلة بحث عن الغاية من الوجود فلقد تعلمنا قديماً ان الادب والشعر منه طريق من طرق المعرفة
. وهذا ما نظنه في نص الشاعر الموسوي. لكن ما هدف الشاعر الذي يبحث عنه هنا وما هي القيمة الاعتبارية داخل هذا العالم؟!
هنا يمكننا أن ننحرف بمقدار بسيط عما ذكرناه سابقا، لأن شاعرنا كما يبدو لي مختلف قليلا في رحلة بحثه، فنصه لا يمثل إنسانا يبحث عن هدف ما أو قيمة ما فحسب، وإنما يمثل إنسانا يبحث عن (الإنسان) ذاته،فيذكرنا هذا البحث برحلة الفيلسوف الاغريقي ديوجينيس الفكرية، فالغاية التي يأمل الوصول اليها هي (الإنسان) أيضا!.
فهذا النص عبارة عن انسان يبحث عن الإنسان بمفهومه النوراني الإشراقي، فقبل أن تبحث بذاتك عن هدف وقيمة وجودك، لا بد أن تبحث أولا عن نفسك وكينونتك. فالشاعر يبحث عن ذاته وعن ذات الإنسان كونه إنسانا.. وها هو في "الانتظــــــار" ... في انتظار تخليق هذا الإنسان المنشود لانه في تصوري الهدف الأسمى.
وهنا نجد الشاعر بين ثلاث رؤى:
فإما أن يجعل نتيجة التخليق هذه إنسان ذكراً، أو أنثى أو يجعله إنسانا في المطلق بغض النظررعن التجنيس... وقد كان الاختيار الثاني هو النتيجة كما اعتقد،لأننا نرى أن في هذا هدف وغاية أيضا. فالأنثى في تاريخها القديم والحديث وحتى في تاريخها الأسطوري لطالما كانت رمزا تعبيرياً لمعاني الحب والحنان والرقة والخير والجمال... فإن كانت عملية التخليق هذه ناتجها الانسان ألانثى فهذا يعكس مراد الشاعر من تحويل الجزء إلى الكل... لا البشر إلى إناث.. وإنما صفات الأنثى بكل ما تحويه من جمال إلى البشر جميعا. ومن بين السطور قد يعكس هذا الاختيار رؤية الشاعر الاجتماعية والذاتية للأنثى، وهي لا شك في كونها رؤية متحضرة وسامية كسمو الهدف.
أما عني، فأنا أيضا بالمثل لي غاية وهدف من هذا النص.. ويتمثل هدفي في أربع زوايا نظر قد أحاطت النص، أولهم كانت رؤية الشاعر للإنسان النوراني من خلال الأنثى وهذا ما تحدثنا عنه قبل سطرين وأعتبرها زاويتي العاطفية في النص، فكل ما أتى في النص من عاطفة تشبيهية أو تصويرية فما هي إلا انعكاس للزاوية الأصل... أما باقي الزوايا الثلاث فهي زواياي المتطبعة بالعلمية لا الوجدانية وتتمثل في:
1* التسلسل الشعري الحكائي
2* التطعيم "النثرشعري"
3* التطعيم "الشعرتاريخي"
1- التسلسل الشعري الحكائي:
بداية وإن كنا وصفنا بحثنا هذا بــ "الرحلة" إذن فنحن أمام مراحل عدة، فالتهيئة للرحلة مرحلة، وشق الطريق مرحلة، والسير في الطريق مرحلة، والوصول مرحلة! وفي قراءة متأنية للنص، سرعان ما نلاحظ تمرحل وتسلسل النص، وكأنه فصول رواية، تحكي وتسرد أحداث هذه الرحلة. يبدأ النص نفسه بكلمة تفيد وتغذي روح الحكاية والسرد، فيستهل الشاعر نصه بـــ "إيهٍ" والتي في معناها المعجمي قد تعني "استزادة من حديث أو عمل" وكأن يستحث نفسه، أو يستحث أحداً أمامه لبدء الحكاية من نقطة البداية.
"إيهٍ
يا غزالةَ محيِ الدينِ"
ومن ثم تبدأ الحكاية فصلا تلو فصل تلو فصل... وقبل الختام يشير الشاعر لكون النص حكاية مليئة بالأسرار والمغامرات يقول:
"يا لَاسرارُ
الفِ شهرزادٍ
وألفِ شهريارٍ"
وما بين بداية رحلة الغزالة وتكوينها، إلى قبلة الخاتمة والولادة... تكمن تفاصيل عملية التخليق.. وهي طبعا ليست بالأمر الهين، وليست عملية سهلة ويسيرة، لا على الشاعر الذي يصفها ولا على الموصوف. وهذا ما جعل النص يستطيل دون تكرار ولا ملل ولا تشابه في الأحداث والمشاعر، وإنما كانت استطالة "متصاعدة" وممتلئة بمشاعر مختلطة، الألم والفرح.. الإشراق والظلمة.. الخوف والشجاعة.. الحب والحذر من الحب.. وهذا ما يحدث وما يمر به الإنسان من صراع داخلي وخارجي من أول ولادته إلى أن يتم الله عليه نوره.. ويمكننا أن نرى هذا في مقطوعات النص:
"أيتها المغمورةُ
تحت غمامِ الربيئةِ"
"شئ من عبقِ الأنسِ
واطيافِ السرورِ"
"لولا زيتُ الروحِ
لما تحقق الوجودُ
ولما نزّتِِ الجروحُ القديمةُ"
"هل تذكرينَ
اولِ همسةِ ليلٍ ناطقةٍ
بالهوى
والتراجعِ
والإقبالِ "
"أكثرُ بياضاً من قلوبِ الأملاكِ
هو قلبُكِ
أكثرُ ضراوةً من عروسِِ الفهدِِ"
"كيف يجمعُ بشريٌّ
بين البركانِ والسكينةِ"
2- التطعيم النثرشعري:
وقبل الخوض في شرح هذه الزاوية، علي أن أفسر أولا مفهوم التطعيم الذي قصدته من هذا العنوان الجانبي.. وهو مفهوم مأخوذ من عملية يقوم بها الزراع والنباتيون، فهم يأتون بجزء من نبات معين ثم يطعمونه على نبات آخر -أي يجعلون نباتا يتغذى على آخر- وفي النهاية تكون الثمار من "النبات الطعم" ... وهذا ما أراه في النص، فبفرض أن النثر هو نباته الذي يريد أن تطرح ثماره، إذن فالشعر هو النبات الذي يغذي عليه نثريته... وفي النهاية تكون النتيجة نثرية، وإنما نثرية قد تغذت على الشعر، وهذا يتجلى لنا جلاء الشمس في الظهيرة، فمن حيث التشبيهات فحدث ولا حرج، وكذلك من حيث الإيقاع الداخلي والتقطيع الصوتي، ولولا هذا التطعيم "النثرشعري" لما استطاع النص أن يكون له هذا النفس الطويل، وهذه الروح السلسة المسترسلة، دون قضم أو قطع مفاجئ.
3- التطعيم الشعرتاريخي:
لن أعيد الشرح مرة أخرى في فكرة التطعيم هذه، وإنما سأطبقها للمرة الثانية على النص، فهو وللمرة الثانية يغذي نثريته على التاريخ، فنجد في النص تشبيها له علاقة بحادثة مشهورة، أو باقتباس من القرآن.. ولعل هذا في إجماله أفاد غاية الشاعر في كون عملية التخليق الإنساني موجودة منذ البدء، فهي ليست لها علاقة بالحاضر فقط أو بالمستقبل فقط، وإنما هي عملية وجدت مع وجود الخلق، وستلازمه إلى أن يشاء الله.
وأخيرا وليس آخراً، فقد أنهيت أهدافي من النص، ويمكنني القول أنني قد وجدت القيمة التي أبحث عنها وغايتي من النص، فالنص إجمالا ذو هدف إنساني كوني نبيل بشكل عام ،أما تخصيصاً فهو ذو هدف أدبي شاعري ثمين... وقيمته يمكننا الحصول عليها إن تتبعنا أهدافه المعنوية والمادية كما ذكرناها خلال هذه القراءة الموجزة..تقديري..
أ.دنيا حبيب
،،،،،،،،،،،
النص:
،،،،،،،،،،،
بالإنتظار:
،،،،،،،،،،،،،،،
إيهٍ
يا غزالةَ مُحيِ الدينِ
أيتها المغمورةُ
تحت غمامِ الربيئةِ
ودخانِ الردى
يا طفلة الحقيقةِ
الموغلة في الاحزان الكبرى
والممنوعة من البوح جهاراً
مهما ضجُّت مراجلِ الحنين
من حولكِ
في قاعِ البحرِ الحيّ
أعلمُ انّ الحَومانَ وحده لايكفي
بل اعلمُ ان الإقتراب يعني الإحتراق
"وانى لهمُ التناوشُ من بعيدٍ"
ولا اعتراض على رقصات الفراش
دعيه يحوم كنا يشتهي
انه ثياب النور
نجوم الحبور
رقصة المذهول
أنهم حتى يحينُ الحينُ
" في حيرةٍ ودهَشٍ"
شئ من عبقِ الأنسِ
واطيافِ السرورِ
بينا أشهدُ
في كلِّ صباحٍ
خلال الضبابِ
شمساً من اللازوردِ
بينَ أضلاعِكِ
بحجمِ قمركِْ
وآه
لولا زيتُ الروحِ
لما تحقق الوجودُ
ولما نزّتِِ الجروحُ القديمةُ
يالها من طماحٍ أليمةٍ
مكتومةِ الجموحِِ
مثل خواتيمِ الفتوحِ
وآه
كم تمنيتُ
أن أُقبِّلَ اتونَها المخنوقََ
بشفاهِ الكلماتِ
علّني اراها قصيدةً
من الماسِ
تمشي على الارضِِ
مثلَ حمامةٍ كاظميةٍ
شفيفةِ الترحالِ
دفينةِ الجمالِ
هل تذكرينَ
اولِ همسةِ ليلٍ ناطقةٍ
بالهوى
والتراجعِ
والإقبالِ
لم تغبْ صورُتُكِ
خطواتُكِ
ألوانُ الأرديةِ
مقاساتها
مواضعها من بدنِكْ!!
حتى وقوفك
مثلَ شمعةٍ
ذاتِ عذوقٍ مضيئةٍ
قبالةَ المرآةِ
في آخر معبدٍ للسراةِ
أكثرُ بياضاً من قلوبِ الأملاكِ
هو قلبُكِ
أكثرُ ضراوةً من عروسِِ الفهدِِ
ليلةَ اللقاءِ المميتِ
هو حذرُكِ المباغتُ
المدهشُ
كيف انسى لذةَ الحلول
حدَّ الغيابِ الجميلِ
مرةً بكيتُ
تراصفاً مع غربتِكِ
بحثِكِ عن الانسانِ
في كلِّ الاتجاهاتِ
تطلعُك نحو مستقبلٍ
لايراهُ احدٌ
محاولاتُك لايجادِسياقٍ جديدٍ
وفقَ نسقٍ غير مطروق
يا لَرحلةُ اللؤلوةِِ
في بطنِ المحارةٍ
في آعماقِ البحرِ
يالَ اسفارُ العذراءِ
داخلَ الشرنقةِ
يا لَهذا الفضاءُ الازرقُ
يا لَمكتومُهُ المُخَصّبُ
بطيورِ القلقِ الحبيسِ
يا لَاسرارُ
الفِ شهرزادٍ
وألفِ شهريارٍ
متخفٍّ وراءَ الستارِ
حتى آنَ اوانُكِ
وبانَ
في أفقِ الرؤيا صولجانُكِ
(يا أختَ هرون)،
(والقلمِ ومايسطرون)
(ما كانََ أبوكِِ… )
ضالعاً بالخفايا
(ولا كانت أمُّكِ ) عشتروتَ
إنزلي برآسي ياسيدةَ الأبراجِ
يا زهرةَ المعراجِ
من جهةِ الحالِ
الى جهةِ الجمالِ
في خاتمةِ المآلِ
فما عادَ( في القوسِ منزعٌ)
والبحتريُّ مقنّعٌ كبيرٌ
والجواهريُّ باسلٌ خطيرٌ
قولي
كيف يجمعُ بشريٌّ
بين البركانِ والسكينةِ
هذا امرٌ
يقربُ من الإعجازِ
لا درايةَ لي بهِ
من قبلُ
ولا طاقةَ لي عليهِ
من بعدُ
وها أنا ذا
في سعيرِ التمنّي
بالإنتظارِ
قبلةٌ واحدةٌ
وسوفَ أغنّي……. !!
- غازي الموسوي-

مقدمة الملف النقدي الأول: الناقد/غازي الموسوي

لأننا في (آفاق نقدية) على وشك إصدار الملف النقدي الثاني وإنجاز الثالث بعونه وتوفيقه تعالى ،فقد بات من الضروري نشر مقدمة الملف النقدي الاول لغرض اطلاع الراغبين بالإطلاع عليها مع التقدير..
ومن الجدير بالاشارة اننا سنمنح هذا المتصفح إجازة مؤقتةً على أمل العود الاحمد اليه قريباً بإذنه تعالى،بينا سنتابع المنشورات من خلال متصفحنا الخاص ( غازي احمد ابوطبيخ)..شاكرين للجميع حسن التواصل والتفاعل مع خالص الوداد
وعميق الاحترام..
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""
مقدمة الملف النقدي الأول:
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""
زاوية نظر تمهيدية:
***************
هذا الكتاب توليفة من:
"العجالات النقدية الكثيفة" و"الأسفار الموازية"، و"المقدمات التعريفية"، بإزاء مجموعة مختارة من النصوص الابداعية المتنوعة الاجناس والطرازات من عموم الساحة العربية من المحيط الى الخليج، بعيداً عن اية مواقف مسبقة ضد جنس ادبي او طراز شعري ما. مع العلم اننا بصدد تقسيمه الى أجزاء متسلسلة، وهذا هو الجزء الاول منه بتوفيق الله وتسديده سبحانه. وغايتنا على وجه الخصوص توفير فرصة لمن لم تسنح له فرصة من السعاة في طريق الإبداع.وستكون نظرتنا لاي نتاج ادبي من زاوية نظر اكاديمية مُدَعّمة برؤية خاصة ناتجة عن خبرة تراكمت عبر مزاولة الفعل الابداعي بكل تنويعاته سواء أكان قصّاً بأنواعه أوشعراً بطرازاته المختلفة, مع تأجيلنا للاشتغال النقدي وفق منظورنا الخاص المبني على مرجعيات وأوليات من الموروث العربي والإسلامي والعالمي والذي سنتعرض لتفاصيله في الجزء الثاني بعونه تعالى،ولكننا سنعرض هنا موجزاً مكثفاً لفكرته كتأسيس اولي, فنقول:
" النص الإبداعي -بالاتفاق- مخلوق مبتدع بحسب نوعه وأداته التعبيرية كمشروع فني جمالي مقترح في مقابل هذا العالم .لهذا سننطلق من المقدّمات النظرية والرؤى الخاصة بالمطابقة او المشاكلة ،بين الانسان والفعل الإبداعي،التي اشار اليها النقاد العرب القدامى كالجرجاني والجاحظ مثلاً،لتبيان ان هذه المطابقة لاتتوقف عند حدود مقابلة الفعل الابداعي في باب "المبنى والمعنى" للنص أو"الجسد والروح"للإنسان ،باعتبار الجسد هو الاداة التعبيرية،والروح هي المضمون الذي تحمله،ولكننا اردنا هنا عدم الإكتفاء باطلاق مفردة الروح تعبيراً عن المضمون وحسب,وإن كان ذلك صحيحاً,فالحال عندنا تتعدى ذلك الى ان الفعل الإبداعي في حقيقته مطابق للانسان بكافة تفاصيله الحيوية.اي بمعنى آخر ان الفعل الإبداعي مخلوق حقيقي مقابل, لانه كائن حيّ ايضاً،وحياته يمكن ان تتجاوز بحيويتها كثيراً من البشر،وهذا ما سنعود اليه لاحقاً.ولكنّ مقصودنا من ذلك أن مديات نجاح اي نص فني او ادبي ترتبط عميقاً بمستويات توافر عناصر "المركب الحيوي" للإنسان،وهذا يعني مديات توافر عناصر المنظومة الحيوية الاتية:
اولا:
"البعد العقلي"متمثلاً بموضوعة واطروحة أو فكرة النص ,فلاقيمة ولا أيَّ اعتبار معرفي اوجمالي،اذا لم يكن النص الفني او الادبي في اطار موضوعي منطوٍ على وجهة نظر محورية يريد الكاتب او الشاعر او الفنان او المسرحي او التشكيلي او حتى الموسيقار ايصالها الى المتلقي-عفواً أو قصداً-ولسنا بصدد محاصرة المبدع بجغرافية موضوعية او ايديولوجية من اي نوع,كلا,فالمبدع بكامل حريته التعبيرية والفكرية ايضاً,فبالحرية نصنع التنوع والتميز,وبهما نمنع اللوك والتكرار والاستنساخ الموات,فهذه ليست دعوة الى عقلنة الإبداع مطلقاً،انما هي دعوة الى وضعه على سكة المعرفة بعيداً عن الافعال العشوائية الخاوية.
انما نؤكد في ذات الوقت ان بعض الافعال التلقائية او العفوية قد تكتنز بزخم تحليلي سايكولوجي كبير,كماهي حال الاعمال الابداعية السوريالية او تيار الوعي-اللامعقول-التي تتمنهج التداعي الحُرأو التلقائية أصلاً,ولكنها تحتاج الى سابر يملك مهماز القراءة الاستنباطية والاستبطانية الواعية المتشوفة.إن موضوعة حرية التعبير الابداعية خاصة,لا تتحمل التفريط اطلاقاً,لأنها واحدة من اهم اسباب اكتناز النص بالحيوية المدهشة,لشدة ارتباطها بشرط المصداقية البالغ الضرورة هو الاخر,ولكونها مدعاة لأعلى احوال البسالة والجرأة الإبداعية الإستبطانية الكاشفة.بيد أننا لسنا مع الإفراط في نفس الوقت,ليس بقصد التقييد والإلزام الشرطي,وليس بمعنى محاولة خلق كوابح وموانع فضلاً عما في الواقع اصلاً,وانما بقصد خلق نوع من التظافر بين مفردات الدخيلة المبدعة.فالنفس وحدها قد تشتتنا عن الهدف ,والفكر المحض قد يكبح حريتنا ويقيدها حد الخنق احياناً,والغرق في التعبير المثالي عن احوال الصلة بالميتافيزيقيا,قد يمنع النفس والجسد والنشاطات الشعورية من ضخ اكبر قدر من النشاط الحيوي في بنية النص,وهذا حال خطير قد يخرجنا من المناخات الفنية والادبية الى عوالم العرفان او التصوف .ومع ان كلا الطريقين ينتهلان من الإشراق,او ينتميان اليه,ولكن الفصل بينهما امر يحفظ لكل منهما خصوصيته وطريقته المتميزة في البحث المعرفي عن الحقائق.
وحافزنا من وراء هذه المطالبة بعضُ قلق يساورنا مما نشهد عليه في الساحة العربية من المزاولات المجوفة اوالهلوسات الفارغة من المحتوى,فعلى مقدار ماتتمع به موضوعات واطاريح النصوص من اعتبار معرفي سيكون تقييمها موازياً او مكافئاً لهذا الإعتبار نفسه،لكن بشرط توافر عناصر المركب الحيوي الابداعي الاخرى, ذات الصلة بالنوع الفني او الجنس الادبي،أما عكس ذلك فسيخرج النص عن إطاره الابداعي وربما يدخل في إطار معرفي آخر.ولابد بعد ماقدمناه, من بيان فهمنا لمعنى العقل لكي تكون مادة طرحنا واضحة تماماً,ومن اجل ذلك نقول مايلي:
"ان العقل لايعني موضعية الدماغ البيولوجية كما هو شائع عند العامة,ذلك لأنه ليس جزء فسلجياً عضوياً ابداً,لأن اصطلاح العقل يعني الوصف الجمالي لتحويل الارهاصات الشعورية والرؤيوية والفكرية من منطقة القوة الى منطقة الفعل.هذه الارهاصات لاتختص بالتحويل الابداعي الادبي او الفني,وانما تمتد لتشمل جميع الفعاليات المعرفية والسلوكية معاً,فالموهوب مشمول بالتوصيف وغيره كذلك,وعلى اساس نوع وطبيعة ومستوى هذا التحويل سيكون هذا التوصيف,وباختصارمبسط,كيف يتصرف الانسان قولا وفعلا فهو بذلك يعبر عن مستوى عقله ,وبالتالي مستوى جماله المتبلور او المنعكس عن طبيعة هذا السلوك او التصرف المشار اليه,وذلك يعني ضمنياً :كيف يعبر الانسان عن نفسه,وهذا مايطل بنا على اعمق واجمل وسائل التعبيرالمعرفية والابداعية.علماً ان الأمر متعلق بالقدرة التحويلية لكل انسان,وخاصة ممن يمارسون الأفعال الابداعية بأشكالها واجناسها وطرازاتها المتنوعة.هذه الحال ستنطبق الى حد كبير على طبيعة توصيفنا للفعل الابداعي الصادر عن المبدع ذاته باعتباره معبراً عنه,او عن نوع وطبيعة ومستوى عقله الجمالي كما اسلفنا".
ثانياً:
"البــعدالنفــسي"متمــــثلاً بالشــــعور بكافـــــة تفاصيله :من الاحاسيس،والعواطف،وكل مايتعلق بالنشاطات السيكولوجية المنشأ من التفاعلات والإستجابات الشعورية المبثوثة عبر النص الإبداعي بمختلف تنويعاته،كونها تمثل سر حيوية النص في جانب،كما وانها الدليل الاكيد على انتماءه الى حقل الابداع الفني ومنه الادبي كما قدمنا انفاً.ولعلاقة النفس البشرية خاصة بالجسد واستجاباته ومحرّضاته،كونها- ونعني النفس- متعرشة في اخص تفاصيله،وهذا ماقصدناه في "أولاً"،بخصوص ارتباط الابداع الفني عامة والادبي خاصة بعناصر المركب المعني بالحديث.ولقد اجمله احد نقاد الغرب,ربما يكون فيشر,اذا صدق ظني برؤية شهيرة تقول:" اعظم الشعر ماكتب بالجسد كله",وهو لايقصد الجسد بمعناه الفسلجي الحسي فقط هنا, وانما يتجاوزه الى ماينطوي عليه.وما اروع مناسبة البيت المنسوب الى الإمام علي(ع)لهذا المقام،حيث يقول موجهاً خطابه للانسان:
" اتحسبُ انّكَ جُرْمٌ صغيرٌ
وفيكَ ٱنطوى ٱلعالمُ ٱلأكبرُ"
ويدخل في هذا الإطار كل مايتعلق بالبعد الروحي العميق ،وله هو الآخر وجهان,اولهما: مايصطلح عليه علم النفس والنقد الحديث اسم " الذات العليا اوالذاكرة العميقة في اصطلاح آخر",وهو جانب شبه اتفاقي,ولكننا نختلف معه بشئ نراه غاية بالأهمية،كون الذات العليا عندنا اعمق واكثر دفانة من الذاكرة العميقة التي يحصرها فرويد بالليبيدو او مركز النشاط الجنسي.واختلافنا يتلخص بكون الثانية موضعية تفصيلية،تشكل المخزون الذاكراتي الخبئ والمعلوم في آن واحد.وقد يكون أقرب الى المحور السيــــكولوجي الجسماني منــــه الـــى الروحي المثالي.فالنفس شقّان ،حسّي شديد الارتباط بالجسد حد الالتصاق.بينما ينأى الوجه الثاني بعيداً عن الحس المباشر،لانه في الحقيقة يمثل الجانب الروحي من عناصر الدخيلة الفاعلة,هذا البعد الذي يشتمل على الضمير على وجه الخصوص،ولكن ليس بمعناه الأخلاقي والعرفي ذي المنشأ الإجتماعي، وإنما الذي يمثل الجانب المثالي العميق الغور.والذي يهمنا اكثر هو تجليات هذا الضمير بٱعتباره بوابة الرؤى والكشوف ذات المرجعية الإشراقية النابعة من اعماق الإنسان الأقرب الى منافذ الإلهام الحقيقية وهي غير الذاكرة العميقة،المتصلة بالمخزون الواقعي والتاريخي للفرد والجماعة،وإنما هو الذات العليا ،من ناحية صلتها بالماوراء الميتافيزيقي ,ولكن هذا الأمر يحتاج عند الخوض فيه الى نوع من الإيمان بالماوراء الغيبي,سواء ماتعلق منه بماوراء الجسد,او ما وراء الطبيعة,بحيث لا نتوقف عند قول من يقول انّ ما يجري خلف الجسد ,ليس اكثر من تفاعلات كيمياوية او بيولوجية او فيزيقية,فمثل هذا التصور سيخنق مساحات الافق المفتوحة على افاق المعرفة الهائلة,مكتفين بمانرى او نلمس او نحسه بالحواس.فمن يكن هذا اعتقاده غير معني بحديثنا ,لأنه لايستطيع ان يتفهم او يستوعب مقاصدنا الواسعة النطاق,على الاقل بما يجعلنا قادرين على الإغتراف من المنهلين الضروريين للعمل الابداعي الفني ,جسداً وروحاً,آملين مقاربة هذا المحور تفصيلياً مستقبلاً ايضا إن شاء الله تعالى,ولكن لكي تتكشف فكرة الضمير اكثر ،نقول:
لقد استوقفتنا طويلا الآية الكريمة التالية: (يوم تأتي كلُّ نفسٍ معها سائقٌ وشهيد)(1),وبغض النظر عن اختلاف المفسرين واصحاب النظر حولها,فما ذلك موضع اشتغالنا اصلاً,انما لا بأس من لطف التأمل,وحسن الإصغاء,في محاولة لفهم اسراروطبيعة مكونات الدخيلة الإنسانية على وجه الخصوص,وبالتالي ماهي طبيعة فاعلية هذه المكونات او العناصر في موضوعة اشتغالنا,ونعني بها عموم المنجز الحضاري ومنه الثقافي وصولاً الى المنجز الفني والأدبي الذي هو موضع تركيزنا وتخصصنا؟,لذلك سنقتطف من المعاجم والتفسيرالمقال التالى"ان السائق هو الذي يدفع قطيع الابل من الخلف,بينما يكون القائد في الأمام,فشغل السائق الحث والدفع الى امام,وشغل القائد التقحم والاستقدام والاستحضار",ولا بد من وقفة بازاء كل مفردة تم تناولها في سياق هذا المقال.
ولأننا قد ارجأنا الحديث التفصيلي حول هذا الموضوع البالغ الأهمية الى الجزء الثاني بعونه تعالى ,لهذا فسوف نكتفي حالياً بما يلي:
انّ الضمير الذي نقصده هنا ,هو منفذ الإنسان الى ماوراء الطبيعة،فمن خلاله يمكنه الاتصال بنسبية مختلفة بحسب مستويات الصفاء والشفافية بعوالم الملكوت التي ينهل منها الرؤى والكشوف والعرافات والنبوءات ،وهي اعمق انواع المنجز الإبداعي والعرفاني،اذ يشترك السعاة والسالكون في تحصيلهم على لوامحهم ولوامعهم ولوائحهم وطوالعهم ورؤاهم وتجلياتهم وكشوفهم وعرافاتهم ونبوءاتهم بهذا الموئل،الذي يطل بهم جميعاً على مالايراه الآخرون،ولكم ردّدنا مقولة النقاد القائلة: الشاعر يرى ما لايرى غيره، كإنموذج لجميع من ذكرناهم من السعاة آنفاً.ولكن العرفانيين ،ومنهم اصحاب الفكر الصوفي لاينهلون من البعد الحسي،وربما يحذرونه او يتحاشونه كثيراً،الا اذا كان معبراً عن "الحب او العشق الإلهي" كما يصطلحون عليه,وهو ما يتجلى واضحا في الشعر الصوفي والعرفاني واشعار الزهد والتنسك المعروفة بحكم ضرورة وجود المشاعر والاحاسيس فيها.
وخلاصة الحال ان كل نص ابداعي لا ينطوي على كل ماذكرناه من عناصر "المركب الحيوي"المطابق او المماثل جزئياً اوكلياً فإنه سيخسر اعتباره الابداعي بكل تاكيد.ذلك لأن الفعل الابداعي بتفاصيل اجناسه وطرازاته ،ليس لعباً مجرداً،ولا لهواً أخرقاً،وانما هو طريق بالغ الأهمية من طرق المعرفة ،ولربما يكون الاقرب والاسرع ،ولكن مع توافر تفاصيل ما ذكرناه،في اعلاه.
بقيت علينا الإشارة الضرورية الى مادة نظرية تم استلهامها من الكتاب الكريم تتعلق بتعريف وطبيعة مفهوم الصورة " المبنى الظاهر المكتنز والقابل للفهم والتصور" والذي لايخرج عن رؤيتنا لمطابقة النص مع الإنسان كوحدة للقياس الفذ- اذا جاز لنا التعبير- بٱعتباره الكيان الجمالي الحيوي المتكامل ،مع الأخذ بنظر الإعتبار ناموس النسبية الذي يشتمل على مستوياته وتدرجاته،فكما انه ليس كل الاناسيّ بنفس المستوى ،لافي الشكل ولا في المضمون،فكذلك الامر بالنسبة للفعل الابداعي.وقد يهبط بعض البشر الى كائن حي ادنى،فادنى ،حتى يُرد الى " اسفل سافلين" ،فكذلك الابداع ايضاً.فإما المعراج الى باب الحقيقة،بما يصعد بالفعل التعبيري الى مستوى التقابل مع الحقيقة المحمدية الكبرى كما هي حال القرآن الكريم الذي هو اسوة المبدعين وقدوتهم العظمى ,واما التراجع الى قاع التسفيل الادنى.
فمن اراد "المحاكاة"فأمامه التحديات الثلاثية الكبرى" العالم, القرآن الذي يقابل العالم بالتمام والكمال ,ثم محمد .ص. متمثلاً بحقيقته،كونه "الإنسان الأعظم"،الذي يقابل القرآن كما ويقابل العالم بالتمام والكمال كذلك.ولهذا المشهد المعرفي شروحاته التفصيلية ايضاً." مع العلم أن هذا الامر يطل بنا على تعريف القرآن الكريم للصورة عامة،ذلك التعريف الذي يمر على كثير من الناس مرّ السحاب،دون ان يلتفتوا اليه الا الثلة المتبحرة المتبصرة،ونعني به ما ورد ضمنياً في الآية التالية:
(يا أيُّها الإنسانُ ما غرّكَ بربِّك الكريمِ الذي خلقَكَ فسوّاكّ فعَدَلكَ ،في أيّ صورةٍ مّا شاءَ ركّبك). (2)
وما يخصنا منها محورياً,ان الكائن الأعظم ونعني به الإنسان، مخلوقٌ,مُسَوَّىً,ثم مُعَدّل,ثم يتشكل بهيئة تكوين او صورة حيوية مفعمة, وهذا كله مايتوجب ان يجري على النص الابداعي قبل اطلاقه او نشره.
ومع اختلاف تعريف الصورة الإبداعية عموماً ،والشعرية خصوصاً، شرقاً وغرباً،قديما وحديثاً،ولكن جميع التعريفات تؤكد على أنها فعالية تعبيرية جمالية،لابد من توافر عنصري الزمان والمكان في جميع تفاصيلها،ولكن مانود التأكيد عليه هو ان هذه الفعالية التصويرية التي تجري عند تحققها في زمكان معين يتوجب ان تكون مكتنزة بعناصر المركب الحيوي الذي يمنحها النضج والجمال والحياة والقدرة على التاثير.
هذا الفهم يخص كل انواع الاداء التعبيري العام- ولا نعني الشعر فقط ,فالرواية صورة ،والمسرحية صورة،والقصيدة صورة ،واللوحة الفنية صورة..الخ.ولا ننسى ان الصورة الكلية ونعني كامل النص،هي الصورة الكاملة التي تشتمل هي الاخرى على صور تفصيلية داخلية في داخل إطارها,بالضبط كصورة الانسان الكاملة ,وصورة يده او عينه او شفته التفصيلية التي تندرج في اطاره.
كما وإن الصورة فعالية تستلزم الجغرافية اوالمكان،اذ لا معنى لها بلا رحبة او موضع تقام عليه بما فيها ذات الاداة التعبيرية,ونعني اللـــغة,او خشـــــبة المســــرح, أو اللوحة التشكيلية,اوشاشة السينما.
الصورة الابداعية اذن: "فعّالية زمكانية تاريخية مكتنزة بالمركّب التعبيري الحيوي".وستكون لنا معها وقفة تفصيلية ايضاً بعونه تعالى,ولانجد بداً من التأكيد على ان هذا التعريف لايتقاطع مع الوارد من التعريفات السابقة والمعاصرة,ومن ابرزها تعريف اليوت مثلاً,الذي يرى ان الصورة "تعبير عن عقدة شعورية او ذهنية",وليس فيما يقوله ايّ غلط,وانما اردنا من تعريفنا الاحاطة والاشتمال,وليس التخصيص.فالتعاريف متكاثرة تكاد تتوزع على عشرات المناهج والمدارس الفنية عامة والادبية خاصة.
ولا بأس بعد ذلك ,من التعريج على ان ما يطلق عليه النقاد والباحثون اصطلاح "الإرهاص " بقصد التعبير عن مجريات إجالة الفكرة مُدْمَجَةً بجملة النشاطات الخبيئة في رحبة الدخيلة الإنسانية, وهي مرحلة ما قبل انجاز النص،اي ماقبل اطلاقه الى خارج الجسد الإنساني في لحظات البوح المعروفة ،وهي بالذات ما نسميها "مرحلة فعاليات القوة"،اي المتصورة بالذهن احساساً بمجرياتها في الدخيلة قبل تحويلها او التعبير عنها بادواتها المناسبة،على أن تجري فعاليات القوة وفق نوع من التواشج الوحدوي ،بحيث لايخرج الفعل مشتتاً او متشرذماً،وانما في وحدة موضوعية ناضجة،والّا فالواجب النقدي يستلزم كشف هذا التشتت والتوزع والتشظي.اما بعد العثور على مايناسب ارهاصاتنا من ادوات التعبير كبنية حمل لما اصبح جاهزاً من الرؤى والكشوف والمضامين والأحاسيس والمشاعر ،فتلك المرحلة المتحققة التي امست بين ايادي المتلقي او تحت انظاره هي ما نسميها " مرحلة الفعل".وهذا يعني ان مرحلة القوة تجري قبل اطلاق الكامن ,وان مرحلة الفعل تحصل بعد اللقاء الممكن ،وصيرورته كمحمول في دخيلة ادوات التعبير المتنوعة كمتحقق ينتظر التأثير والتاثر من خلال معادلة الإبداع المعروفة بين المبدع والمتلقي.
ولابد ان نذكر اننا عرضنا لهذا المبحث هنا لغاية التمهيد له،بغية الخوض في تفاصيله في الجزء الثاني بإذنه تعالى,وهذا العرض - تكراراً-لايعني المباشرة باستخدامه الآن في مطالعاتنا للنصوص الواردة في هذا الجزء،وانما هو آليتنا للقراءة وللكشف مستقبلاً ،مع التاكيد على انه طريقة او زاوية نظر ،لايحق لنا فرضها على احد،خاصة ونحن بأنفسنا احرار في استخدام كافة المناهج النقدية بجميع انواعها،كلما اقتضت الضرورة لذلك.فكل منها مصباح دلالة وضوء كاشف وزاوية نظر يمكن ان توصلنا الى قراءة الفنون والآداب قراءة لا تبخس ولا تُغالي.
ولمّا كان تركيزنا على الشعر على وجه الخصوص هنا, فلا بد من الاشارة الجديرة الى ان جميع تنويعاته مقبولة عندنا بعيداً عن عُصاب الحوار او أدلجته بطرق ووسائل منحازة مُغَلّفة او مكشوفة،ولاشرط عندنا على اي نصٍّ شعريٍّ موزوناً كان أو غيرموزون سوى ٱنتمائه الى الادبية ،وانطوائه على الشعرية التي تحدث عنها ارسطو طاليس منذ أقدم العصور،واهم مافيها كما نفهم ونعتقد هو أن يفكر المبدع عبر دخيلته المحتشدة بالمشاعر والعواطف والاحاسيس في اطار قيمي انساني جمالي حيوي،فضلاً عما تستلزمه الضرورة من الوحدتين الموضوعية والعضوية ،لان النشازات والحشو الزائد والبعثرة التي تجعل النص متناثراً امر ليس لصالح الفعل الابداعي كما هو معلوم ايضا ،ولقد اشر ذلك ارسطو نفسه حيث يقول مافي معناه"يجب اذن ان نتصور عملاً واحداً كاملاً ترتبط اجزاؤه ارتباطاً وثيقاً،حتى لو ان احدها استُبدل به غيره او نُزع من مكانه،لتفكك الكل جميعه او تبدل,ذلك ان كل شئ يُستَبقى او يُنزع،دون ان يحدث وجوده او عدمه فرقاً ملموساً،لايكون في الواقع جزءً من الكل(3).
وهذا طبعا معيار مهم من معايير النص الابداعي النازع الى التكامل والذي على اساسه مع كل ماذكرناه آنفاً تتم محاكمة النصوص تقييماً أوتقويماً.بقي القول ان لمفهوم الإلتزام عندنا تصور خاص ايضاً،خلاصته تتجسد في ان يكون هدف الابداع انسانياً عاماً،بعيداً عن اي نوع من انواع المحاصرة الايديولوجية.ذلك لأن مراعاة حرية المبدع الى اقصاها ،تشكل اكبر حافز على الإبداع،لاسيما سعة الآفاق التي سيتحرك في رحبتها المبدعون.ونعني بها ثلاثية الآفاق التالية:
1-الأفق الأول" ماوراء الطبيعة."
2-الافق الثاني "الماوراء السوسيولوجي".
3-الافق الثالث "الماوراء السيكولوجي".
هذه الآفاق كلها مفتوحة امام المبدعين ،ولايحق لأية ايديولوجيا ان تقطع الطريق على احد,بحجة عَقَدِيّةٍ مأزومة بالعصاب الجاهلي,مهما ارتدى من ثياب تدعي العصرنة او المدنية او التحديث الملتبس.
الموقف من الطرازات الشعرية:
انطلاقاً من كل ماذكرناه في اعلاه نقول إجمالاً إن الشعر الموزون المرتبط بالعروض الفراهيدي بشقيه "العمودي" و" التفعيلة" " وقصيدة الومضة العمودية ذات المنشأ القديم,ونعني بها قصيدة البيت والبيتين والثلاثة ,في جانب,وكذلك ما اصطلح على تسميته بـ" قصيدة النثر " ومضة كانت او طويلة ،هايكو او نانو ،او حتى ما اصطلحت علية مجلة " شعر" عبر إنسي الحاج وبعض زملاءه مثلاً اسم القصيدة الالكترونية او أي كشف تنويعي اخر يستجدُّ على ساحات الفعل الابداعي ،كلها جميعا تحضى باحترامنا وتقديرنا ،ولا شبهة لنا على ايِّ منها فيما اذا تحققت فيها اشراط الادبية والشعرية المشار اليهما انفاً.وليس هذا موقفاً وسطياً منا ،كلا ابداً،وانما جاء انطلاقاً من فهم خاص نرفض من خلاله محاصرة الشاعر بشكل او طراز او حتى فهم محدود يمكن ان يحدد او يقيد من حريته في الاختيار او في الانهمار،حد الايمان بأحقيته في مزوالتها معاً جميعاً بحسب احوال ومزاج اللحظة الشعرية الراهنة التي تفرض مناخاتها وطقوسها وخياراتها النوعية بحسب نوعية الارهاص وطبيعة الميقات.خاصة وانها جميعا يمكن ان تحمل جزئياً او كلياً ما يحمله الطراز الآخر من إرادات الشاعر واحاسيسه ومضامينه.
علماً ان رؤيتنا او لنقل زاوية نظرنا لتعريف الشعر الموروث تختلف نوعا ما في محاولة للبحث عن تعريف اكثر مرونة واشتمالاً واوسع مداراً,بحيث يمكنه ان يستوعب كل التمظهرات الشعرية التي تستجد مع الايام، ومختصرهُ يتجسد في ان الشعرية التي تحدثنا عنها قبل قليل ،وان كانت تتجلى واضحة في الشعر الموزون والمموسق بانواعه ،ولكنها يمكن ان تنبض واضحة ايضاً في النثر المموسق او حتى غير المموسق ولكن بشرطها وشروطها وأهم هذه الشروط انطلاقها من الفكر الفني المخصب باعماق الشعور الانساني،فطريقة التفكير الفنية ذات خصوصية خاصة جداً،وهذا يعني التفكير بمجسات الاحساس ذات المنطلقات النفسية او الشعورية العميقة وليس العقلنة الذهنية المجردة المحضة.ولاريب ان هذا الموضوع بالذات يحتاج الى ميقات اخر للايضاح،ولكننا نذكر عاجلاً بان بعض ما اطلق عليه اصطلاح الشعر جزافاً وانطلاقا من التعريف الموروث ليس شعراً في حقيقته حتى وان كان موزوناً على اساس بحور العروض الفراهيدي المعروفة ،والحمد لله ان النقاد العرب القدامى قد حسموا هذا الامر منذ اكثر من الف وخمسمائة عاماً حين اطلقوا على الموزون الخارج عن الشعرية اصطلاح "النظم"،كما هي الحال في جميع المنظومات ذات المضمون العلمي كألفية بن مالك والفيات المواعظ والفقه الديني مثلا،والتي ثبت من خلالها ان مثل هذه المنظومات بعيدة كل البعد عن الشعر والشعرية التي ترتبط باعماق الشعور الانساني محورياً،ومن علامات ذلك ان التهمة الجاهزة لكل من يكتب القريض بعقلنة اوحسابات عروضية سنتمترية لاحياة فيها بان ما يكتبه مجرد نظم وليس شعراً, حتى وان كان موزونا.
هذا يعني ان تعريف الشعر الموروث بأنه "الكلام الجميل الموزون المقفى" بات في دائرة الحرج لانه يحمل نقيضه في داخله كما اسلفنا ،وحتى كلمة,الجميل,لاتفسر ولاتبرر هذا التعريف بحيث تنقذه من دائرة الحرج خاصة وان كثيراً من انماط وتنويعات الكلام يمكن ان يكون جميلا وهو ليس شعراً ولم يقصد به الشعر اساساً،فالخاطرة جميلة باشراطها،والقصة والرواية كذلك،ولايمكن حصر الجمال بالشعر وحسب ابداً.
غاية الامر ان كلمة شعر ذاتها مستنبطة او مشتقة من الشعور ،والشعور يعني تفاصيل الاحساس الانساني المعبرة عن استجاباته وتفاعلاته وانفعالاته بل وحتى رؤاه المنبعثة من اعماق الذات العليا او من بوابات الضمائر الملكوتية الاتصال.وهذا لايمنع ان يكون الوعي مشرفاً في التاطير وفي التبويب وفي التصعيد وفي البلورة بحيث لايتدخل في تلقائية الانهمار الشعوري الذي نفترض أن يكون شجاعاً بمعنى الجرأة الابداعية الباسلة التي تجعل من المبدع وابداعه معاً مشروعاً فدائياً من نوع ما للتحليل واستنباط الحقائق الروحية والنفسية الدفينة وانتزاع اعماق الرؤى التي تصلح للقياس او لقراءة سيكولوجيا الفرد والجماعة بحثاً عن حياة افضل.وليس هذا وحده ميدان الفن والادب ،فنحن نؤمن عميقاً بوظائفه الواسعة النطاق الاخرى كالادانة والاحتجاج وكل مايرتبط بشؤون المبحث المعرفي ,فضلاً عن إضافة بهاء جديد على الحياة.ومن المتفق عليه ايضاً,ضرورة الكثافة المغنية في الشعر خاصة,بما لا يجعلها مخلّة او قاصرة ,اذن,مالذي يجعل الكلام فناً؟.
هذا السؤال يُعنى اساساً بحقيقة وجود الشعرية -كما نفهمها- فعليا داخل النص الابداعي الشعري ،ولسنا بصدد كيفية البحث عنها او طريقة دراسة النص بوسيلتها كآلية للبحث كما يلمح الى ذلك الناقد اللساني الشكلاني المعروف رومان جاكوبسون،الذي يبحث في الاجابة عن السؤال التالي "مالذي يجعل من رسالة فنية ما أثراً فنياً,(4)بمعنى ما الذي يجعل النص الكلامي مثلاً فناً وليس غيره من الاساليب الاخرى؟,باعتبار ان جميع الاجناس والطرازات الادبية جزء لايتجزأ من الفن،وهذا المفهوم ذاته هو الذي تلقّفه تودوروف بعد حين ولكنه قام بتفعيله كوسيلة وآلية للبحث عن الشعرية داخل النصوص ،وقد نجح بذلك نجاحاً ملحوظاً فهماً وامثلة فهو يعتقد انها- ونعني الشعرية-تعني" طبيعة وخصائص الخطاب الادبي وكيفية اشتغاله ،بوصفها تمظهراً لبنية مجردة وعامة في نفس الوقت ". هذا المفهوم ذاته لايخرج عن فهمنا لعموم الظاهرة النثرية والسردية عموما.وعليه فإن اشتراطنا وجود الشعرية داخل النص لايتقاطع ضمنياً مع امكانية البحث عنها بوسيلتها في داخله.ولكننا لسنا بصدد ذلك الان,كون ما يعنينا في هذا التقديم هو بيان سبب قبولنا لجميع الطرازات الشعرية من دون استثناء،بعيداً عن المواقف الاستاتيكية المسبقة.
وهذا يجعلنا نتقبل بكل اريحية احتمالية وجود الشعرية في السرد ايضا ،بشرط الكثافة والابتعاد عن التقريرية الجافة بل التفكير بالذات العميقة وبالرؤية الدفينة بما يجعل النص مكتنزاً بالمشاعر والاحاسيس والعواطف والانفعالات والتفاعلات والحدس والرؤى والكشوفات وكل مايتعلق بالمجس النفساني للبشر بشقيه المشار اليهما في اعلاه.
نخلص من كل ذلك الى ان كلمة الشعراو الشعرية ذات ارتباط وثيق لا سبيل لفك ارتباطه بالشعور باي شكل من الاشكال,فالشعر مشتق من الشعور,سواء اصَدَرنا عن الفعل الثلاثي او صَدَرنا عن المصدر.وقد صار الشعر شعراً اصلاً لانه وليد الشعور الانساني، مختص بالتعبير عنه، موزوناً كان او غير موزون،ولكننا نقر انه سيكون أعذب واروع وأقرب الى القبول في الاداء والقراءة والسماع اذا كان مموسقاً ،انما بكل انواع الموسيقى ،عروضاً عمودياً ،او عروضاً تفعيلياً ،او حُرّاً منغماً او نثراً مرسلاً او إيقاعياً او سلسالاً من النثر المتصل في وحدة تعتمد الوصل بين اجراس المفردات بشكل متعاقب متحد جزئياً او كلّياً،ومع ذلك لايمكن ان نستبعد حتى غير المموسق من جمهورية الشعر اطلاقاً مادام ينطوي على روح الشعر الحي,فقد توسع امر الشعرية الان بحيث بات البحث عنها وارداً حتى في النصوص الروائية حد ان يعتقد البعض بنوع من الفضل الذي تقدمه الرواية للشعر ذاته.ولكم كتبت على هذا الصعيد روايات شعرية منها مثلا روايات الكسندر بوشكين الروسي،ومسرحيات شكسبير الكثيرة ومسرحيات اليوت ايضا,على سبيل المثال.
حول اصطلاح " قصيدة النثر":
مما تقدم نستنبط بكل يسر أحقية قصيدة النثر في الانتماء الى جنس الشعر بشروط الشعرية التي ذكرناها انفاً.كما وان بعض انواع الموسيقى الدفينة التي تكتب عليها قصيدة النثر لايمكن وصفها بسهولة بحيث تكون محسوسة للجميع ،انما يحسها بكل تاكيد من وصلت عنده مستويات الاذن الموسيقية الى حدود الرهافة ،فهي كما يعبر عنها احد النقاد "ان غرائب الاسلوب ليست شيئاً،وانما العبرة بتلك الموسيقى التي لاتوصف،والتي ماهي الا نغمات نفس".وياله من مركب عميق ودقيق هذا الذي اسماه نغمات نفس, حتى لأكاد أجزم أن لكل نفس بشرية ايقاعها الخاص جداً،والذي قد يكون متحداً في حال السواء النفساني مع الايقاع الكوني الواحد،وقد يكون ناشزاً،في حال التعرض الى اية ظاهرة مرضية ذهنية او سيكولوجية على وجه الخصوص.
من هنا فإن عبارة العرب القدامى" قصّدَ القصيد" لا تعني بحسب فهمنا كتابة الشعر الموزون فقط،وان كانوا يهدفون الى ذلك،بحكم طبيعة الفهم السائد بل الشائع آنذاك.
ولكن هذا السائد ليس طوطماً تتوجب علينا عبادته،او الثبات عليه.اصلاً تعريف الشعر القديم برمته صدر عن شخص ما في زمن ما ثم أقرَّه عليه من جاؤوا بعده ،وهم على حقٍّ فيما ذهبوا إليه بحدود الزمن المَعِيش.ولكن المبتكر المتجدد والمضاف المتعدد ،يستدعي إعادة النظر كما قدمنا سالفاً,وإلّا فماهي علاقة كلمة القصيدة بكلمة العروض او الوزن الا بحدود كون الشعر الموزون من القصيد،ولكن ليس كل قصيد موزون,خاصة بعد الكشف عن موسيقى الكلمة وموسيقى التركيب واخيراً موسيقى القصيدة التي تتألف من وحدة اجراس المفردات.فالنص الشعري المتكون من تآلف اجراس كلماته نص مموسق،ولايخضع لعروض الفراهيدي المعلوم.
ان اغرب مالاحظناه خلال الحقبة الاخيرة اتهام النص الخارج عن العروض الفراهيدي بالانتماء الى ايديولوجيا غير مؤمنة؟!,وانه توجه مضاد للدين؟!. عجباً والله.وماعلاقة الشعر الجاهلي المكتوب بصيغة البحور الستة عشر بالمسالة الدينية اصلاً؟,اليس القرآن الكريم هو النص السماوي النثري المرسل الذي رفع النثر الى مقام السيادة الكبرى باعتراف الجميع؟!.
والاعظم من كل ماذكرناه ان إعجازاً كبيراً لم يكشف عنه أحد بحسب علمنا حتى اللحظة -بالمعنى الذي نقصده تحديداً- يتعلق بكون الكتاب المجيد كله في مدور موسيقي كامل بدء من باء بسملة الفاتحة مروراً بسورة الناس ثم عبوراً تلقائياً الى الفاتحة وهكذا دواليك من دون فجوة ابداً ،بشرط اتقان احكام التلاوة بشكل دقيق مع مراعاة الحركات الإعرابية بشكل متقن ،لنكتشف ان وحدة ايقاعية موسيقية كاملة تعتمد بالاساس على اجراس المفردات القرآنية الشريفة وتواشج اواخر الكلم واواخر اصوات الحركات الاعرابية مع ما بعدها من الحروف الاولى للمفردات اللاحقة لها تباعاً,فمن اجاد القراءة او الترتيل او التجويد فإنه سوف يتفهم هذا الكشف بكل يُسرٍ وسهولةٍ,مع تأكيدنا المتكرر على اتحاد الايقاع القرآني مع الايقاع الكوني الموحد اصلاً بالناموس الموسيقي الكلي.فنحن نعتقد ان العالم كله في وحدة موسيقية واحدة لا نشاز فيها مطلقا,فمن ان اراد الاتصال ابداعاً وسلوكاً فطريقه سالكة عرفاناً وابداعاً وسلوكاً بحسب قدرته على توحيد دولته الداخلية وعناصر مركبه الحيوي, بحسب طاقات عقله الجمالي.
وعوداً على مادة تركيزنا نقول : ان هذا الكشف المتعلق بموسيقى الكتاب السماوي الكريم نفسه ,يمنح الخطاب النثري في حال اجادة الشاعر بالاعتماد على ربط اجراس المفردات مع بعضها نوعاً واسع النطاق من الموسيقى الحرة الفسيحة المتنوعة غير المقيدة بحدود مسبقة ،وانما ترتبط وثيقاً بسيكولوجيا كل شاعر على حده ،بحيث يكون لكل شاعر وربما لكل قصيدة موسيقاهما الخاصة التي تميزهما عن غيرهما في ديمومة لانهائية متواصلة من المخلوقات الابداعية الجديدة.ذلك لان لكل شاعر بنية نفسانية خاصة تنتج عنها رواية داخلية خاصة وهذا ما يُوَلّف منظومة دينامية فاعلة قادرة على الخلق الابداعي النوعي المنتج لمجموعة من السمات التي تشكل بمجموعها خصوصية الشاعر وبضمنها موسيقاه المميزة الخاصة بشرط الاصالة البعيدة عن اي نوع من انواع الإتكاء التعبيري او الموسيقي على اي شاعر اخر من القدامى او المحدثين.ومازلنا نحتفظ في ذواكرنا بتصور ما او احساس ما او ذائقة ما عن موسيقى جميع المتحققين من الشعراء الكبار بدءً من الملك الضليل ومروراً بكعب بن زهير فحسان فالفرزدق وجرير فابي تمام والبحتري فالمتنبي فابن زيدون وابن هانئ فصفي الدين الحلي فامير الشعراء شوقي فالجواهري فالشابي فابي ماضي فميخائيل فالقروي فالسياب فنازك فالبياتي فادونيس فدرويش فنزار حتى اخر العناقيد وكل من ذكرناه مجرد امثلة بكل تأكيد وليس حصراً,فالمتحققون كثر ولاسبيل لتعدادهم جميعا وليست تلك غايتنا من الحديث فالقصد الدلالة على ان لكل من ذكرنا-كنماذج- في اعماقنا: "صورة,وفكرة,وايقاعاً", حتى لنكاد نرى كلاً منهم في اطارٍ من كيان ذي ملامح تمثله ابداعياً باعتباره مخلوقاً مركباً من الأصل لكن مع المتحقق ابداعيا على يديه.
فالمبدع في كل حقول الابداع لن يبقى كما هو قبل الشروع ابداً في الذاكرة الجمعية ،وانما ياخذ اهاباً مختلفاً يتلبّسه تماماً،وقد تلمسته البشرية من خلال ابداعه نفسه،فمن منا راى ابا العلاء العظيم،ومن منا القى نظرة على هيئة اللورد بايرون مباشرة،ومن منا صافح ارنست همنغواي اوشكسبير او نجيب محفوظ اوجبرا ابراهيم جبرا او لوركا مثلاً؟,فالناس ترى كل هؤلاء الآن وكل المتحققين معهم في عموم هذا العالم المترامي كائنات سوبرمانية خارقة للمعتاد.وهذا بحسب تقديرنا عين الصواب بالمعنى الانثروبولوجي لهذه الفكرة البعيدة المدى حضارياً،ونعني ان الامر ليس من قبيل المبالغة ابداً ،وانما نحن نراهم في عالم الحقائق المعرفية وليس في حالهم الواقعي المباشر.
الموقف من الموروث الحي:
من ذات المنطلق المنحاز الى الشعرية بجميع تجلياتها نرفض رفضاً قاطعاً جميع المحاولات التي وقفت سلباً من الموروث الابداعي الحي والتي ما تزال سادرة للاسف الشديد بذرائعيات دوغمائية في احيان كثيرة.فالبعض يستخدم هذه الذرائع كغطاء تبريري ولانقصد الموهوبين مطلقاً انما نقصد من يحشرون أنفسهم تعسفاً مع المبدعين،كما وأن بعض الموهوبين مختلفون في مستوياتهم وقدراتهم كذلك،وهذا ما كشفه بن سلام في طبقاته قديماً،ولسنا بعيدين عن الصواب اذا قلنا ان بعض الموهوبين لايملكون اذناً موسيقية حتى بالحد الادنى مع انهم قادرون على تقديم النثر الفني المقنع،ولكن بعضهم للاسف الشديد يصطف تورية لعجزه مع المتزمتين .والمتزمتون كما نعلم جميعا موجودون في كلا الجانبين .
ولكن ليس من حق احد باي شكل من الاشكال الدعوة الى رفض الموروث الحي بهذه الطريقة المريبة التي ذكرنا شقّاً من اصحابها ممن وصفناهم بالعاجزين،اما القسم الثاني الاكثر خطورة وتأزماً فهم الذين يؤدجلون الامر بكثير من التعسف وقسر المعطيات حد القفز على الحقائق.وهؤلاء شأنهم شأن من يزعم ان تحديث الابداع خروج عن الدين من دون فرق إطلاقا.ويكفينا للدلالة على بطلان مثل هذه الدعوات سببان محوريان :
اولهما :ان الشعر الموزون لسان امة تقرب من نصف المليار ،وهو يمثل ذائقتها الخالدة العابرة للعصور والجغرافيا والتي ماتزال تعبّر به ومن خلاله عن نفسها كأمّة ذات فهم خاص وذائقة خاصة ولايجوز بحال من الاحوال مسخ او الغاء طبيعة احساسها ذات الخصوصية الخاصة كباقي امم العالم.
وثانيهما:قدرة المبدعين الكبار على شحن وتحديث هذا الموروث بما يمنح متسعته اكبر واوسع المباني بحيث يتحمل- كلما كانت قدرات المبدع عالية الاداء-يتحمل اكثر واعقد المضامين عمقاً ودفانة بالدليل والمنجز العملي الواضح.ولدينا امثلة هائلة العدد على مثل هذا التثوير والتنوير والتوسعة للمباني والمعاني معاً،لاسبيل لحصرها في مثل هذه العجالة، لآن فعاليات التطوير قد بدأت منذ التصعيدات الاولى بعد الاسلام بل وقبله مروراً ببني عذرة فالعهدين الاموي والعباسي ثم الاندلسي وموشحاته ثم المقامات واحوالها ثم النهضة العربية الحديثة منذ القرن التاسع عشر فعصر النهضة فالقرن العشرين وحتى لحظة هذا الحديث,حتى نتج عن ذات التوجه شعر التفعيلة العروضي المعلوم،ولكنه المحدود بالبحور الثمانية ذوات التفعيلة المتماثلة ،بما منح الموزون فرصة اكبر للحضور الفاعل في حيواتنا الثقافية المعاصرة وبقوة باهرة،ومايزال فاعلاً بقوة حتى الان ،وسيستمر من دون شك ابداً.ويكفي للرد على المتقولين ممن لايملكون الاذن الموسيقية خاصة ان نسالهم الأسئلة التالية:كيف سنغني بلا شعر موزون او مموسق؟!,والاتحفظون الأغاني وترددونها جميعا؟!,وكيف نكتب التواشيح والاناشيد؟!,وهل تنازلت الامم في هذا العالم الواسع عن الانشاد والغناء المُنَغّم والمموسق والموزون لكي تتنازلوا انتم؟!,وهل يمكنكم ان تغنوا او توشحوا او تنشدوا سرداً او نثراً؟!
إنّ الشعر الموزون او المُموسق او المُوقَّع او المُنغَّم ضرورة حياتية اجتماعية وحاجة انسانية مدنية ذات تمظهرات شديدة الارتباط بالحياة وبالحضارة الانسانية وتنويعاتها المختلفة،فكيف تدعون الى ما لاتملكون اليه سبيلاً, لضرورته القصوى التي اشرنا اليها انفاً وعند كل امم الدنيا ؟!
وعوداً على ذي بدء نعيد اعتقادنا توكيداً:إننا لا ننحاز الى جنس ادبي او طراز شعري دون غيره البتة, وشرطنا على كل نص هو مدى ادبيته وحيويته الشعرية كما اسلفنا.
لكن خلاصة المقال ان قصيدة النثر يمكن ان تكون شعراً وشعراً عظيماً بكامل اشراط الشعرية فيما اذا التزم شاعرها بما قدمناه، فعلى قدر هذا الالتزام يكون المتحقق كبيراً.كما ونسجل استغرابنا حقيقة ممن يربط هذا الطراز الحداثوي الجميل بجهة ايديولوجية معينة بذاتها،في نفس الوقت الذي نسجل استغرابنا ممن يربط قصيدة القريض بالدين نفسه،وكأن من يسعى لتحديث الشعر خارج عن الدين،او كأن من يعبر عن شاعريته من خلال العمود رجعي ومتخلف وسلفي ،غريب والله .(مالكم كيف تحكمون),ولكنها شنشنة نعرفها من اخزم,إنما لايصح الا الصحيح.
من هذه المنطلقات جميعاً نقول:ان الموقف النقدي غير المؤدلج: دينياً او طائفياً او حزبياً او فكرياً او عقائدياً, في تقديرنا هو الاكثر رقياً وسعة بالدلائل القاطعة ،حتى ان بعض النقاد وانطلاقاً من ايمانهم بحرية الفكر ممثلاً بالمبدعين ،يحاكم النص الابداعي باشراط مدرسته من دون تعسف, وبرحابة مدهشة. فالناس كما اسلفنا احرار يعبرون عما شاؤوا بما شاؤوا وليس عندنا في محاكمة نصوصهم الا الرؤية النقدية العلمية الجمالية الفنية من خلال النزوح بعيداً عن اي نوع من انواع الانحياز الذي يتقاطع مع روح النقد المنصف النزيه .
تساؤلات اصطلاحية حول الشعر والنثر:
هذه العتبة الداخلية لها مقدماتها في اعلاه،وماسنقوله الآن شديد الارتباط بما قبله ،ولهذا سنحاول صياغتها بهيئة سؤال كبير،ربما سيكون اشبه بالمفرقع في السكون.اذ اننا حين تساءلنا عن مدى علمية ودقة التعريف الموروث للشعر العربي ،كونه مختصاً بالشعر العربي بحكم طبيعة سياقاته وأوزانه المتميزة وخصوصياته الإبداعية الاخرى، سنتسائل الان ومن باب اولى عما ياتي:هل من الصحيح الاعتقاد ان اصطلاح الشعر هو الجنس الادبي المقابل لاصطلاح النثر?.اليس في التسليم بهذا التفريق اقرار ضمني بنزع صفة الشعرية عن النثر عموما؟.!اليس الاصل في الاداة التعبيرية الملفوظة هو اصطلاح الكلام،حتى في تعريف الشعر الموروث؟.ومعنى ذلك: هل ان تقسيم الكلام الى شعر ونثر صحيح ؟.
وإجابة على ذلك نقول:نحن لانرى ذلك,لاننا نعتقد ان صفة الشعرية لاتختص بالموزون فقط,بل تشمل غير الموزون ايضاً,وهذا يدل بكل وضوح على ان ما اصطلحنا عليه بمفردة النثر ليس غلطاً بذاته ،بل هو صحيح ولكن من حيث دلالته على غير الموزون فقط ولا يعني استبعاده عن الشعر على وجه الاطلاق,فمن النثر ماهو شعر ايضاً بحكم سمات الشعرية الاتفاقية عالمياً فيه.النثر اذن هو الكلام غير الموزون نعم،هذا كلام سليم وجميل ولاخلاف عليه معجميا،انما الخلاف كبير عليه اصطلاحياً،وكما دعونا الى اعادة النظر بتعريف الشعر،ندعو في ذات الوقت لإعادة النظر في حالة التقابل الموروثة بين اصطلاحي الشعر والنثرايضا.فكما انه ليس كل موزون شعراً كما اسلفنا مسبقاً ،فكذلك الامر ليس كل غير موزون خارجاً عن الشعر بالعكس تماما،لان الكثير من غير الموزون شعر صريح واضح الشعرية بالإتفاق العالمي.اذن فوضع اصطلاح الشعر مقابل النثر مغالطة قديمة هي الاخرى مبنية على تعريف الشعر الموروث.
الخلاصــــــة:
ان الموزون وغير الموزون لايخرج الكلام من الشعر ولايدخله فيه ،الا بشروط الشعرية المعروفة.وعليه فإن الاصل في جميع الملفوظات انها كلام.والكلام هذا،إما ان يكون شعراً او ليس بشعر.ولسنا مضطرين الى ايجاد خصم ما او نقيض ما او حتى اصطلاح مقابل ما ,اذْ يعود الحال الى اصله ونعني به الكلام ،فالعلم كله عند التعبير عنه بالكلام،والادب السردي كله كلام ,وجنس الشعر جنس من الكلام.بالضبط كما نقول :جنس الرواية وجنس القصة وجنس المقالة وجنس الخاطرة من الكلام.فإنْ قلنا سرداً أو نثراً فذلك لايعني الا الكلام غير الموزون وحسب،لانهما قد يكونان شعراً ايضاً..وكلاهما من الكلام حتى في حال كونهما شعراً فهما كذلك ايضا.انما لابد من التأكيد على ان مفهوم السرد على العموم يختص بإلاسلوبية الخاصة بكل اديب في رواية الاحداث او سردها او حكايتها او نقلها من الحياة او الواقع وفق حبكة وبنيوية ترتبطان بالزمكان.ولهذا فالسرد في اصله اسلوبية قصصية او مسرحية تتعلق بالحدث والزمان والمكان وفق تصعيد بنائي محبوك ومحكم.(5)
وعلى هذا الاساس فإن ما نصطلح عليه من جنس الشعر سرداً لابد ان يكون مشتملاً على اشراط او متطلبات السرد نفسه.ولقد لاحظنا غلطاً او وهماً في وصف كل شعر خال من الوزن بالسرد، ولو اكتفينا باصطلاح قصيدة النثر تعميماً لكان أجدى بكل تأكيد ،لان اصطلاح النثر يشتمل على السرد ايضا,.لكن مع تاكيدنا على ان بعض السرد شعر،وبعض الشعر نثر،والعكس صحيح كذلك .اذن فإطلاق اسم السرد على كل شعر منثور خطأ جديد آخر بدأ يشيع في المرحلة المعاصرة الاخيرة.وعليه نقول تكراراً:ليس كل نثر سرداً,ولكن كل سرد من النثر طبعاً.كما وانه ليس كل شعر منثور سرداً الا باشراط السرد المعروفة. فالنثر كلام ,والشعر كلام,لكن الشعر جنس من الخطاب الادبي,وليس مقابلاً للنثر،ذلك لان بعض النثر شعر،سوى انه غير موزون،مموسقاً كان او غير مموسق.ولايقابل الشعر الموزون الا الشعر غير الموزون.وكل شعر غير موزون من النثر بلاشك،انما لكي يكون شعراً يجب ان يتسم بأشراط الشعرية، وإلا فهو جنس آخر من اجناس النثر ،وعلى منتجه ان يبحث عن موضعه ومجال اشتغاله.
__________________________________
1-ق,21.
2-الإنفطار،8،7،6.
-3فن الشعر,ارسطو طاليس,ترجمة د.احسان عباس ص42-43,(ط.القاهرة).
4-جورج ديهامبل: دفاع عن الادب،ترجمة الدكتور محمد مندور ،ص
229-230.
5-بتصرّف عن مقالة المصطلح السردي تعريباً وترجمة في النقد العربي الحديث، د.عبدالله أبو هيف، مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث العلمية، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية، المجلد 28، العدد 1.

قراءة في كتاب مقترح : بكائية الوطن ووجع القصيدة: قراءة في ( أحلام السرار الاخيرة ) للشاعر غازي أبو طبيخ الموسوي..

شرّفنا بها فضيلة البروفيسور
الدكتور محمد جواد حبيب البدراني
أستاذ النقد الحديث وموسيقى الشعر بجامعة البصرة
نص القصيدة :
"""""""""""""""""""
******************************
أحلام السرار الأخيرة
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
حدّثتْني خُزاعةُ
حينَ ٱلْتقَينا
على ساحلِ الريحِ
عنْ زَهْرةٍ
نَبَتََتْ في حَنايا الضلوعِ
غَداةَ القُلوعِ
غداةَ جفافِ الدمِ العبقريِّ
هناكَ
واخرِ سفحٍ جريحٍ
بأنَّ ٱبنةََ الصّبْرِ
كانتْ تُصلّي
على قمَرِ البوحِ
كلَّ صباحٍ
وكلَّ مساءٍ
يُرافقُها الحزنُِ والصمْتُ
ناطقةً بالدموعِ
وكانَ دمي
في سرارِ المشيئةِ
يكتظُّ بالشوقِ والتَّوقِ
إذْ رفرفتْ زهرةُ الخُلْدِ
بين الجوانحِ
كانتُ تُهاميةَ القَسَماتِ
وليستْْ مهاةً
وليستْ غزالاً
فذي في كتابِ المدينةِ
رؤيا النبواتِ
إحجيةٌ
تتلفّعُ بالوعْدِ والأمنياتِ
تبثُّ نواجيَها الحالماتِ
وفوق لماها دمُ الفجْرِ:
- ياصاحبَ الوقْتِ
قد بلغَ الحُزْنُ غايتَهُ
فانْتصرْ للحياةِ..
وقد كنت ُمن دهَشِي ذاهلاً
كِدْتُ أنسى جناحيَّ
لولا وميضُ الهيامِ المعتّقِ
أخلدتُّ للارضِ الا قليلاً
فآلفٌ من الجنّ
من لامعاتِ البريقٍ
يراودْنَنِي عن ضَمايَ
ولكنَّ أمواجَ هذا السرابِ
خُتِِمْنَ معاً باليبابِ
وقلبي يُسائلُني الآنََ
- أيُّ الرئامِ التي في الطبيعةِ
تحكي ملامحَها الجَنَويَّةَ
غيرَ صَبوحةِ ليلى
وأيّ المليحاتِ يجرْآْنََ
حتى حكاية بعضِ السماتِ
حُبى والخزامى
دمٌ واحدٌ في الخطابِ
وإنّ الّلواتي تَبارقْنََ
في جريانِ الحُروفِ
تواكبْنَ من عَجَبٍ
خلفَ ذاتِ الرَّشادِ
عُنَيزةَ
عبلةَ
سلمى زهيرٍ
وكلَّ الجميلاتِ في مهرجانِ الودادِ
فؤادي يُدندنُ مستوحشاً
- أَيْ حُبى
ياااا حُبى
أينَعَ الحزنُ
واخضوضَرَ الشجنُ
المستحمُّ بنارِ الغَضا
حيثُ دارَ الزمانُ
آستدارَ المكانُ
الى جهةِ الشمْسِ
كلُّ حُبَيبةِ رمْلِ
تصَيّرتِ اليومَ قُبُّرةً
او قطاةً من الضوءِ
يسعَينَ بينَ الوِهادِ
وفي كلّ وادٍ
يُنّقِّبْنَ مثلي
أنا وصحابي
الذينَ رأوا حُسْنَهُ كالعيانِ
استدارَ الزمانُ
استدارَ المكانُ
وكانت حُبى
في الطوافِ الأخيرِ
تدقُّ على بابِ أمّ القرى
برقيقِ العتابِ:
- الا خبّريني
متى تتفتّحُ بوّابةُ الشرقِ
ثالثةً
عن سراجكِ
ذاكَ الخبئ
وراءَ الحجابِ؟!..
وكانَ الجوابُ
لوامعَ برْقٍ
ترقْرقْنََ بينَ جفونِ الغيابِ
- فقلْ أنتَ
أيْ ياحبيبَ الرؤى
والمنى
والخطابِ
متى سوفَ تكسرُ شرنقةَ الصمْتِ
إنّي بكيتُ طويلاً
ومن شدّةِ الشوقِ
من شدةِ التوقِ
كنتُ ارى في المنام
ٱلذين استحالوا نجوماً
تسيرُ على الارض
يفترعون السّرارَ
على رَهَجٍ من غبارٍ
وبعضِ عِثارٍ
ومنْ عجَلٍ
قدْ تناوشنني ألفُ سيفٍ
وحاصرْنَني
في طريق التشوّفِِ ألفُ جدارٍ
تعقّبْنَني كُلُّ مُفْترسٍ
من ذئابِ التتارِ
دمي
مايزالُ هنا
في البراري القفارِ
دمي
ها هناكَ
يسيلُ عبيطاً
فويقَ سفوحِ البلاطِ
بعيداً
على قَدْرِ ما وصلتْ
صافناتُ النهارِ
ومازلتُ
في وجَعي ٱلسرمديِّ أنادي:
- أمن ناصرٍ
ياكتابَ الفتوحِ،
أما مِنْ مُعينٍ؟!
وكان المدى شاخصاً بالردى
كصليبِ المسيحِ
وكانَ الحُسَينُ الجميلُ
يصيرُ على راحةِ الدهرِ
محضَ مسيحِ ذبيحٍ
وليلى..
وشبّاكها المخمليُّ
تغازلُ أحلامَها
بقصائدِ كلّ الرؤاةِ
وزاجلةٌ
من حَمامِ الجراحِ
تدفُّ رويداً
بغيرِ جناحٍ
وتهدلُ
بين ضلوع الفجيعةِ
- يا أيها الغافقيُّ
سأبكي عليكَ
بكاءَِ التي أسقطتْ كبرياتِ الطِّماحِ
بكاءً..
يعاقرُ وحشتَهُ
في مهبِّ الرياح!!..
*
القراءة النقدية :
….................
لم تعد القصيدة الحديثة قصيدة غنائية محضة يستعيد الشاعر فيها آلامه ويحاور ذاته ، كما لم تعد موضوعاتها سائرة على وفق الاغراض التقليدية ، بل تخلت عن ذلك كله ونأت بنفسها عن المديح الزائف والتملق والتلاعب اللفظي وتكرار المعاني ، منفتحة على الاجناس الادبية والفنون الاخرى لتضحى ذات محمولات ثقافية متعددة ومتنوعة ، ذلك أن خطابية القصيدة ومنبريتها لم تعد تتواءم مع عصرنا الراهن ، وهذا ما دفع القصيدة الجديدة الى التخلي عن دورها الاخباري الحافل بالإيقاع المجلجل والمباشرة ، مستعيضة عن ذلك كله بتفجير اللغة والتلاعب بالدوال وتمويه المعنى وكسر افق توقع المتلقي ، بيد أن ذلك كله لا يعني تخلي الشاعر تماما عن ذاتيته وانسياقه وراء الموضوعية المحضة ، اذ لما يزل الشاعر يعيش أحاسيس القلق والضياع والوحدة والاغتراب والترقب ، فكأن قدر الشاعر أن يكون شاهد عصره ، اللاهج بمرثاة زمنه .
يعد الشاعر (غازي أحمد أبو طبيخ الموسوي ) من أبرز شعراء البصرة المعاصرين ، فعلى الرغم من احجام الشاعر لغايات خاصة عن النشر وايثاره الابتعاد عن الاضواء ، الا ان قارئ نصوصه يلمس بوضوح امكانية شعرية مميزة وطاقة ابداعية عززتها ثقافة واسعة واطلاع نقدي مميز هيأ لصاحبه التحرر من أسر الذاتية والانطلاق نحو آفاق ورؤى انسانية حداثوية ، فهو شاعر يجيد الكتابة على نمط الشطرين والتفعيلة وقصيدة النثر . ولقد امتلك الشاعر تجربة حياتية وانسانية واسعة مكنته من توظيف الامكانات الايقاعية والبنائية لقصيدة التفعيلة لخلق قصيدة تفاعلية حداثية تعتمد الافادة من البنية الدرامية والمشهدية التي توظف الرمز والقناع المتلبسين بالحقيقة ليبني قصيدته في اطار سردي ينطلق به الى عوالم واسعة ومتباينة .
تعد قصيدة ( أحلام السرار الاخيرة ) من القصائد اللافتة للانتباه في تجربة الشاعر فهي منذ عتبة العنوان تستثير مخيلة القارئ ذلك ان عتبة العنوان تمثل مفتاحا لفك رموز النص واضاءة دلالاته ، ومما لاشك فيه ان بنية العنوان تهيئ المتلقي لفهم النص ، لما يثيره من مشاعر جمالية إمتاعية ، وبسبب من وظيفته التأويلية يقول ايكو لن يستطيع احد الافلات من ايحاءاته ، وقد بدأ العنوان في النصوص الحديثة يبتعد عن الوظيفة الجمالية المحضة لصالح الوظيفة التأويلية ، واذا كان رولان بارت أكد أن العنوان يفتح شهية المتلقي للقراءة فان شارل جريفال يرى ان وظائف العنوان هي التحديد، والايحاء ، ومنح النص قيمته ،فان النص الذي بين ايدينا يحيل منذ مطلعه للحديث عن الحلم حتى اضحى الحلم سدى النص ولحمته وبنى الشاعر قصيدته منذ العنوان على احلام هرب بها من الواقع ، ومهد للربط بينهما عبر ( علائق لا شعورية تعمل على تقريب الفجوات المتباعدة ، ايا كان نوعها ، او مادتها في وحدة الخلق والابداع ، وهذات ما يجعل كل مرموز فيها مجسدا في رؤيا تختزل الواقع ، وتمتزج في حلم الخلق ) بحثا عن تغيير ، ولقد اطلق الشاعر على احلامه صفة الاخيرة ليؤكد ان الحلم يجب ان يتحقق هذه المرة بأي ثمن والا ضاع كل شيء.
ان قصيدة ( احلام السرار الاخيرة) قصيدة مثقفة _ان صح هذا الوصف نقديا_ فالشاعر يتكئ على ثقافة واسعة مختزنة في ذاكرته الشاعرية لبناء نص يشي بآلام واحلام وطن ، ولعل من اهم ما يتجلى في القصيدة ذلك المزج المحكم بين الذاتي والموضوعي في براعة مدهشة تشد ذهن المتلقي وتحبس انفاسه منذ عتبة العنونة حتى خاتمة القصيدة وهكذا تتشكل ثنائية الانا ـــ المجموع عبرحراك القصيدة وتمفصلاتها التراثية واستدعائها للشخصيات ولعل هذه الثنائية من اهم سمات القصيدة بخاصة وتجربة الموسوي الابداعية بعامة.
ان القصيدة على الرغم من طولها مشدودة بخيط سردي خفي يحرك بنيتها الفنية حيث ذات الشاعر وهي تحاور آخرا افتراضيا لعله الشاعر ذاته وهو يحاول ان يخبئ تلك الذات ويفتتها في ما حوله ، فالموسوي لا يتناول موضوعه مباشرة ، بل يحاول ان يتناول الواقع المأساوي برؤية بكائية حزينة تدين الواقع العربي ادانة محملة بمرارة الرفض المثقلة بحزن خفي أثقل كاهله ، وكأن الحزن غدا سمة في تجربته الشعرية .
لقد لجأ الشاعر الى توظيف واستدعاء رموز تاريخية يحاول من خلالها نقد الواقع الحاضر منطلقا من الماضي الذي احسن استثماره ، لذلك تجد الماضي والحاضر متواشجين يعضد بعضهم بعضا في نص الشاعر ، فمع محاولة الشاعر اللجوء الى خلق اقنعته التاريخية التي يختبىء خلفها لبث هموم الانسان المعاصر ، الا ان النزعة الذاتية لا يمكن الفكاك منها أواغفال دورها في النص .
يبتدىء الشاعر حديثه الشعري بمطلع متقن يقول فيه:
حدثتني خزاعة
حين التقينا
على ساحل الريح
عن زهرة نبتت في حنايا الضلوع
غداة القلوع
غداة جفاف الدم العبقري هناك
وآخر سفح جريح
احسن الشاعر البدءبــ (حدثتني خزاعة....) ليوهم المتلقي انه ناقل حديث ليس الا ، بيد ان المتأمل للقصيدة يتلمس منذ الوهلة الاولى مزاوجة واعية بين صوتين يتناوبان في القصيدة ، هما صوت الشاعر وأصوات الشخصيات ، فمنذ الكلمة الاولى في القصيدة يجعل الشاعر حديثه مع خزاعة التي تشي بمحمولات ثقافية تفتح افق المتلقي على تأويلات متعددة أهي علم لامراة ام المقصود القبيلة ، والراجح ان المقصود قبيلة خزاعة وهي قبيلة عربية معروفة نسبها بعض المؤرخين الى الازد اليمانيين ونسبها ابن اسحاق وغيره الى مضر ، وقد انتزعت قبيلة خزاعة سدانة البيت الحرام من جرهم بالقوة وظل بأيديهم اكثر من ثلاثة قرون ، ويجعل الشاعر مكان لقائه مع خزاعة مكانا طوباويا ، اذ كان اللقاء على ساحل الريح ، ويرى الكثير من المفسرين اهتداء بأساليب القرآن الكريم ان الريح تأتي في مواطن العذاب والخوف وان الرياح تأتي في مواطن الامن والطمأنينة . ولقد أدرك الشاعر ان القصيدة الحديثة لم تعد نصا مباشرا فقد تحول النص الى مجال يُلعب به ويمارس ويتمثل التحويل الابستمولوجي والاجتماعي والسياسي ، فالنص الادبي خطاب يخترق حاليا وجه العلم والايديولوجيا والسياسة ويتطلع لمواجهتها وفتحها واعادة صهرها على حد قول جوليا كريستيفا .
ويستمر الشاعر في قصيدته قائلا:
وكان دمي في سرار المشيئة
يكتظ بالشوق والتوق
اذ رفرفت زهرة الخلد بين الجوانح
كانت تهامية القسمات
وليست مهاة
وليست غزالا
فذي في كتاب المدينة
رؤيا النبوات
احجية
تتلفع بالوعد والامنيات
تبث نواجيها الحالمات
وفوق لماها دم الفجر:
يا صاحب الوقت
قد بلغ الحزن غايته
فانتصر للحياة
يتكىء الشاعر على المرجعيات الثقافية والتاريخية في قصيدته موقنا ان توظيف تلك المرجعيات يتم عبر نزعها من سياقها التاريخي وادراجها في الواقع المعاصر كاشفا عن أنساقها المبتغاة ، ولقد كان الشاعر موفقا في حشد السينات والشينات في المقطع ليحمله شجنا خاصا يشي بالحزن المعتمل في صدره يتواشج ذلك ايقاعيا مع الجناس ( شوق ، توق ) ، ولكي يشير الشاعر الى الربط بين الواقع المعاصر وعمقه التاريخي ، يصرٍح بالقول ( فذي في كتاب المدينة رؤيا النبوات ) ، والشاعر هنا ينطلق من رؤية وطنية وانسانية واسعة وشمولية تحاول التملص والتخلص من الرؤى الايديولوجية الضيقة مؤمنا ان القصيدة الحقة تنأى بنفسها مرتقية على المنظور الايديولوجي وتتجاوزه ، اذ أن الافكار التي تشكل قوام الايديولوجيا ــ كما يقول اميل دوركهايم ـــ لاتقدم الحقيقة العلمية لانها تقوم بالتشويه والاخفاء وعدم الصدق والوهمية ، لذلك ينتصر الشاعر لطبيعته الانسانية مبتعدا عن فجاجة الايديولوجيات المباشرة الخاضعة قسريا لرؤى زمكانية ترتبط بمصالح ضيقة الاطار ، غير قادرة على التعبير عن مبتغى الشاعر مقيدة لانسانيته الشاملة لكل المعاني المتفردة .
لعلي لا اتهم بالمبالغة اذا قلت ان اشارة الشاعر رؤيا النبوات من اهم مفاتيح القصيدة ومنطلقاتها الفكرية فالشاعر يستحضر احداثا ــ كما سيتضح لنا ـ مهدت لنبوة جده المصطفى وهيأت الظروف للانطلاق العربي الاسلامي لقيادة ركب الحضارة الانسانية ، كما لاننسى الصورة الباذخة ( وفوق لماها دم الفجر ) ، فالصورة هنا ذات طابع يقطر جمالا وعذوبة فضلا على ما تحمله من غرابة وادهاش ، فقد نجح الشاعر بتخليص الدم من صورته غير المحببة ناقلا اياه الى صورة محببة حينما دمجه مع صورة اللمى والفجر بانطلاقتهما الموحية بالحياة والتجدد والامل .
يبني السيد غازي الموسوي شعريته على وفق رؤية شمولية تسامت عن غنائية القصيدة سعيا وراء بناء نص نام قائم على صراع اضحى مركز الفعل الشعري ، ولعل من ابرز سمات هذا النص عند التأمل فيه انه يمزج بين قصيدة الاستدعاء التاريخي والأنا او الذات الشاعرة فهو حين يحاول ان يزيح ذاتيته عبر الشخصية التاريخية لا يلبث ان يعود بوعي مقصود او عبر شعرية اللاوعي الى أناه التي تظل ذات فعل مهيمن في بنية قصيدته بحيث تختلط (ياء المتكلم ) بين الشاعر وقناعه ، فهو تارة يختفي وتارة يستسلم لذاتيته ، اذ انه في الاسطر اللاحقة سرعان ما ينفلت من عقال القناع الذي اختفى خلفه لتعود أناه الشعرية نا هلا من مخزونه الثقافي :
وان اللواتي تبارقن في جريان الحروف
تواكبن من عجب خلف ذات الرشاد
عنيزة
عبلة
سلمى ....زهير
وكل الجميلات في مهرجان الوداد
الشاعر هنا يصرح باسماء حبيبات شعراء خلدن بذكرهن في مدوناتهم الشعرية ، وكأنه يريد القول انه وريثهم الشرعي وهو هنا يزاوج بوعي بين ( القناع والسرد والرمز وهو اسلوب ادونيسي ) على حد وصف فاضل ثامر ، اذ يسرد حديثه عن تلك الحبيبات الخالدات في الشعر العربي ، مصرحا بالمرجعية الثقافية والشعرية لهن فهن قد تبارقن من جريان الحروف ، وهو هنا يرمز بهن لكل جميل ومحبب في نفسه ، فالمرأة هنا واقع ورمز في آن واحد فهي انثى حقيقية ورمز للوطن لان كليهما يحتضن الشاعر فهو يبث اوجاعه واوجاع الوطن عبر حديثه مع المرأة ــ الوطن التي جعلها رمزا لكل ما هو جميل .
ثم يذكر الشاعر ( حبى ) التي شكلت رمزا من رموز القصيدة ، ولعل الذهن ينصرف للوهلة الاولى الى حبى المدينية التي يضرب بها المثل في الشبق والرغبة الجنسية فيقال ( أشبق من حبى ) ولها في ذلك قصة مشهورة تداولتها كتب الامثال والتراث وبخاصة ان الشاعر سبق ذلك بالحديث عن نسوة معشوقات عرفن رموزا للحب في الشعر العربي ، بيد أن نظرة متأملة في القصيدة تنقل ذهن المتلقي الى حبى أخرى يبدو انها هي المقصودة بدلالة ذكر خزاعة في مطلع النص وهي ( حبى بنت حٌليل بن حبيشة بن سلول بن عمرو الخزاعية ) التي تزوجها قصي بن كلاب بن كعب جد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد قصة طويلة عن تغربه ثم عودته لمكة ، وكان والدها يتولى شؤون الكعبة ، وقد جعل الامر بعده لقصي لما رأى كثرة اولاده من ابنته ، وقيل غير ذلك ، وبعد موت حٌليل اخذت خزاعة المفتاح من حبى فاستنصرت زوجها فاستعان باهله من قريش وكنانة واقتتل مع خزاعة وهزمهم واستعاد شؤون الكعبة .
فحبى اذن هي رمز انثوي للكرامة المستعادة بقوة السيف ورمز للاخلاص للزوج ورمز للبنات الاولى للتمهيد لظهور قريش القوة الاكبر في الحجاز تمهيدا للبعثة النبوية ، فهي جدة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبذلك هي جدة الشاعر ايضا .لكن الشاعر هنا يستعيد ذكر حبى رابطا اياها مع الحزن اليانع والشجن المعشوشب المستحم بنار الغضا ، ومما لاشك فيه ان نار الغضا تتناص مع قول مالك بن الريب في غربته :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادي الغضا ازجي القلاص النواجيا
فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه وليت الغضا ما شى الركاب لياليا
لقد كان في أهل الغضا لودنا الغضا مزار ولكن الغضا ليس دانيا
واذا كانت( القراءة تمنحنا الفرصة لصياغة ما ليس مصوغا ) كما يقول الناقد رامان سلدن، فان قراءتنا للنص تشير الى ان الشاعر بقوله :
اي حبى
يااااا حبى
اينع الحزن
واخضوضر الشجن
المستحم بنار الغضا
حيث دارالزمان
استدار المكان
الى جهة الشمس كل حُبيبة رمل
تصيَرت اليوم قبَرة
او قطاة من الضوء
يسعين بين الوهاد
وفي كل واد
انما يميل لتوظيف شخصيات ذات ابعاد فكرية معمقة في الموروث الجمعي فتنتقل الشخصية من وجودها التاريخي الى ابعاد جديدة تضيف بعدا مستقبليا ينقل المبدع الى حالة من المعالجة غير المألوفة لافكار الواقع ، ولقد مثلت حبى هنا دلالة فكرية عميقة ذات ابعاد حضارية جديدة ، فاذا كانت في الذاكرة التاريخية رمزا للنقلة الحضارية والاخلاص للزوج وصرخة بوجه التشرذم وداعية التوحد وممهدة لان تكون قريش قوة كبرى تنبىء عن اكتمال انبلاج الرسالة المحمدية الخالدة ، فهي هنا بعد ان استدار الزمان والمكان اضحت رمزا للحزن والتشرذم والضياع والحلم المفقود ، والقبَرة في الاسطورة اليونانية طائر مات ابوه فلم يجد مكانا يدفنه فظل يحمله على رأسه في اشارة الى التاج الذي على رأس الطائر ، ولعل الشاعر هنا اتخذ من القبرة رمزا للموت المجاني الذي نعيشه كل يوم وضياع المنظومة الحضارية العربية ازاء التفتت والتشرذمة فقد استدار الزمان الذي جمعت صرخة حبى قريش ومن جاورها فاستعادوا المجد المنتزع ، ليكون زمننا هو الزمن الذي ينتزع منا كل شيء ونكتفي بحمل موتانا على رؤوسنا ببلاهة قبّرة. كما اختار القطاة لانهال لاتبيض في عش ولاتبني موطنا بل تضع بيضها بالفلاة بعد ان تفحص برجليها في الرمل حفرة صغيرة فتضع بيضها وورد في الحديث النبوي الشريف ( من بنى مسجدا لله كمفحص قطاة او اصغر بنى الله له بيتا بالجنة ) ، وهي على صغر مكان عشها لاتضيعه وتهتدي اليه حتى ضرب بها المثل فقيل اهدى من قطاة فكأن الشاعر يريد القول ان القطاة لاتضيع مفحصها ونحن نضيع اوطاننا ولذلك يتراءى لي ان الشاعر لم يأت بالقبرة والقطاة مصادفة بل رمز بهما لما اراد قوله وهو تأويل اميل اليه وقراءة ارجحها .
ينتقل الشاعر بعد ذلك الى مقطع اخر يقول فيه :
استدار الزمان
استدار المكان
وكانت حبى في الطواف الاخير
تدقّ على باب ام القرى
برقيق العتاب:
متى تتفتح بوابة الشرق
ثالثة
عن سراجك
ذاك الخبيء
وراء الحجاب ؟!
وكان الجواب
لوامع برق ترقرقن بين جفون الغياب
تتضح هنا قدرة الشاعر على تغيير الشخصية التاريخية المستدعاة وشحنها بطاقات تأويلية جديدة ، اذ ينفتح الخطاب الشعري على حقيقة ان ذواتنا المعاصرة ما هي الا امتداد لوعينا الماضوي المنطفىء ، فتحاول الذات الشاعرة تأكيد وجودها الانساني بلغة شعرية تستفيء ظلال الانزياح لتنهل من التكوين الثقافي في محاولة واعية لادخال المعاصرة في تلابيب الماضي والباسه حلة معاصرة تحمل رؤيا العصر ورؤيته ، وتكمن شعرية النص في تجاوز البعدالتاريخي المألوف والمعروف للشخصية المستدعاة والتحرك بها الى قارة المجهول ، فالشاعر يزاوج بين تاريخانية الحدث والرؤيا المعاصرة لتمنح الشخصية بعدا جديدا يحكي معاناة الذات / الاخر ، ليجعل نسق الحضور المتبرعم من نسق الغياب مهمة ينهض بها القارىء المشارك الذي يحاول استخلاص المعاني الخفية في بنية الخطاب ليمنحها حضورا نصيا جديدا ذلك ان التراث ( هرم الحركات والاجتهادات الابداعية ، وليس مستودعا للوصفات الجاهزة التي يمكن استعمالها انطلاقا الى المستقبل ) ، ولعل الشاعر في اشارته الى عودة حبى لتدق ابواب ام القرى طالبة ان تفتح بوابة الشرق ثالثة لتضيء الكون انما يستفيد من قوله تعالى ( وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا . فاذاجاء وعد اولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا اولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا . ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا . ان احسنتم احسنتم لانفسكم وان اسأتم فلها فاذا جاء وعد الاخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ) الاسراء 3ـ6. وهي اشارة الى العودة المنتظرة للواء الاسلام والعرب لازاحة الصهاينة عن المقدسات واعادة المسجد لاهله ، ويبدو لي ان الشاعر لم يقصد عودة الاقصى تحديدا بل عودة العب المسلمين لتبوء دورهم الحضاري الموكول لهم والذي ابتدأت ممهداته بنقل حبى وزوجها فصي الامر الى اجداد المصطفى ( صلى الله عليه واله وسلم ) واكتملت ملامحه بانطلاق البعثة النبوية المباركة.
ان الشاعر كما يبدولي يلمح الى فكرة المهدي المنتظر المعروف في كل الديانات بتسميات مختلفة بوصفه المنقذ الذي يأتي آخر الزمان ليحقق العدالة المطلوبة
يلجأ الشاعر الموسوي الى تفعيل ذاكرته الشعرية محاولا المزج بين الذاكرة والمخيلة الشعرية عبر ربط التجربة المعاصرة مع الماضي جارا القارىء الى ان يصبح مشاركاذا دور ستراتيجي في النص ، فهو يجرد الشخصية المستدعاة من اطارها الزمكاني مانحا اياها بعدا اسطوريا خالدا ورؤيا عالمية الاطار عبر هاجس شعري يسعى للتملص من ربقة الماضي . لان فاعلية النص هنا تقوم على التناوب بين فعلي الحضور والغياب والمراوحة بين الوصف والحوار والمزاوجة بين الشعري والسردي ، ولعل من الملاحظ هنا ان الحوار وحيد الاتجاه فهو ينطلق من الذات الشاعرة ليعود اليها ، فعلى الرغم من ان البنية الظاهرية للنص تقوم على حوار بين الشاعر و(حبى) لكن باطن النص يشي بمونولوج داخلي قائم على استدراج الذات للبوح عن هواجسها وآلامها عبر اتاحة الفرصة امام اللاوعي المسجون للانفلات لاشعوريا ، فالخطاب الشعري لا يكتفي بالدوران في قطب رحى الماضي بل جاء الاسترجاع الماضوي ليكون تربة خصبة لاتاحة الفرصة لهموم الذات ان تنطلق من عقالها فالابداع يميل دائما الى ( تشكيل الماضي بعدا زمنيا بوساطة عناصر مستمدة حصريا من الحاضر ) ما يقول سارتر ، فالشاعر يكاد ان يقع في فخ المباشرة حين يدعو الى ان تفتح ابواب الشرق لنتخلص من مآسينا ، لكن الجواب لم يكن سوى لوامع برق تترقرق بين جفون الغياب ، والصورة هنا ذات بعد مأساوي يوحي بالالم والوجع وغياب المجموع وظهور الفرد ، فالشاعر هنا يحمل خطابه دلالة تأويلية تشي بواقع متدهور يجد المبدع فيه نفسه ضائعا مشتت الخطوات ، ويتخطى الشاعر الواقع الى ماورائية الحدث ذلك ان مخيلة الشاعر تجمع بين المرئي واللامرئي ، الحقيقي واللاحقيقي ، المعلوم والمجهول ، الموجود والمتخيل
ينتقل الشاعر بعد ذلك الى الصورة الحلمية المتمناة هربا من الواقع فيقول :
اي ياحبيب الرؤى والمنى والخطاب
متى سوف تكسر شرنقة الصمت
اني بكيت طويلا
ومن شدة الشوق
من شدة التوق
كنت أرى في المنام
الذين استحالوا نجوما تسير على الارض
يفترعون السرار
على رهج من غبار
وبعض عثار
ومن عجل قد تناوشنني الف سيف
وحاصرنني في طريق التشوف الف جدار
تعقبنني كل مفترس من ذئاب التتار
ان الشاعر وهو يجد الواقع مرا يحول دون ما يصبو اليه تهوم روحه الشعرية حول الامكنة ملتجئا الى الحلم حينما يصبح الواقع معاديا بسبب ما يمارسه من قسر فتغدو معاينة الشاعر للمكان معاينة فوق شعورية تتجاوز الادراك الواعي واقعيا ملتجئا الى الحلم كاسرا نمطية الواقع ، ويرى هيلدبرانت ان ( هناك تيارا من الاحلام يرتبط بواقع اليقظة ، مما يدل على ان استقلال الحلم عن اليقظة ليس استقلالا تاما فبعض مشاهد وصور تكوين احلامنا تتكون من ما رأته اعيننا او خطر ببالنا ونحن نمارس نشاطنا الواعي ) .
من هنا فالشاعر بعد ان اوصدت امام رغباته ومطامحه ابواب الواقع ومارس طقوس بكائيته التي لاتنقطع وأضنى به الشوق والتوق الى يوتيوبه المفقود وجنته المضاعة ، لم يجد امامه سبيلا سوى الحلم ليستعيد به موازنة الذات التي فقدت ملجأها في واقعها المر ، فالشاعر لايحاول ان يرفض واقعه المعيش فحسب ،بل يحاول ان يتملص من ذاته متمردا على الذاتية لاعادة بناء الواقع من المتخيل بصياغة جديدة تحمل رؤى باطنية تلتقط من الواقع لبنات لبناء عالم مثالي متخيل ، يهرب من اسر اليومي المألوف الى عوالم متجددة تتسربل بثوب شعري يمنحها فرصة الخلود.
لقد لجأ الشاعر الى تقانات عديدة منها تقانة التكرار في المقطع السابق فقد تكررفي المقطع السابق صوت الراء خمس عشرة مرة وصوتي السين والشين ثلاث عشرة مرة والنون ستة عشر مرة ، كما حفل المقطع بحروف المد التي تكررت زهاء ( 25 ) مرة ومن المعروف ان حر وف المد تضفي على النص استطالة وعمقا
يعرف الدكتور ريكان ابراهيم الشعر بأنه ( نزف فكري وجداني ينفثه الشاعر من مخيلة تمثل محصلة تشترك في وضعها مؤشرات الرغبة والارادة ....ومركزية الانا والمكانة الاجتماعية والمعدات الممكنة من الثقافة والتحضر) تجتمع كلها متوهجة في مخيلة الشاعر لتخلق نصا ينبجس من ذاكرة الشاعر ليمنحه التوازن ، ولعل العودة الى الماضي هو جزء من البحث عن اليوتوبيا المفقودة التي ترفض الواقع منتقلة الى عالم مأمول ومكان مثالي يضج بخرق المألوف والسعي للتحرر من قيود العقل والمنطق وفك اغلال المخيلة الشعرية لتمزج الواقعي بالفنتازي ، فالشاعر يرى في حلمه اولئك الذين استحالوا نجوما تسير على الارض مفترعة السرار ومتجاوزة العثرات .. من هم هولاء ؟ أهم الشهداء ؟ ... أهم الشعراء ؟ أهم الجيل القادم المؤمل ان يقيل عثراتنا .....ربما هم اولئك جميعا فالشاعر يحاول ان يجعلنا امام تصورات متعددة ، والقصيدة الناجحة هي التي تحتمل تعدد التأويل وتباين التفسير وتنأى بنفسها عن الفهم المباشر وتعيد ترتيب الحدث ، وتصهر المتلقي مع الذات الشاعرة لتتيح امكانية تأويل متعدد يشي بمقاصد الذات المبدعة ، التي تدخل منطقة الحلم الممثل لحظة الالتقاء بين الوعي واللاوعي حيث تتخلى اللغة عن دورها الابلاغي الى الدور التخييلي الهارب من أسر الزمان والمكان ، الى فضاء اللامحدود بدون ان يترجل الشاعر عن صوت الانا الذي ظل لصيقا بالنص على الرغم من ارتداء الشاعر رداء اللامألوف واللجوء الى الصور الغرائبية المتخيلة في اطار الحلم .
يستعيد الشاعر ايضا عمق موروثه الديني والتاريخي مصورا الف سيف يتناوشنه والف جدار يقف في طريقه ، فكأن الشاعر يستلهم ثورات الرافضين المتحدين ، وتنبثق من خضم ذاكرته بوعي اولاوعي صورة جده الحسين ( عليه السلام ) حين تناوشته السيوف وما ينسب له من قول :
ان كان دين محمد لايستقم الا بقتلي ياسيوف خذيني
ان الشاعر يستعيد ذلك كله ليوصل لمتلقيه ان الفكرة لايمكن وأدها وان القضية ستنتصر على الرغم من زمن الهزائم والضياع ، ولابد ان تخرج العنقاء من بين الرماد ، كما يتخذ الشاعر من التتار رمزا لكل دمار واذى مستعيدا ذلك من الذاكرة الجمعية العربية اذ اتخذ هذا الرمز بعد اسطوريا بما اضفته عليه المخية التاريخية والشعبية من اضافات لجرائمهم وبطشهم وهمجيتهم حتى اضحى معادلا موضوعيا للسلطة الغاشمة والقتل والدمار .لذلك اتخذت الذات الشاعرة من الحلم منطلقا موضوعيا لنقل التجربة المثقلة بالوجع المنهكة من الاقصاء المضطرة الى الانكفاء على الذات .
ينتقل الشاعر بعد ذلك من التلميح الى التصريح فيقول :
دمي
ما يزال هنا في البراري القفار
دمي هاهناك
يسيل عبيطا فويق سفوح البلاط
بعيدا على قدر ما وصلت صافنات النهار
وما زلت في وجعي السرمدي أنادي !
أما من معين ؟
وكان المدى شاخصا بالردى
كصليب المسيح
وكان الحسين الجميل
يصير على راحة الدهر
محض مسيح ذبيح
يتخذ الشاعر من القناع تقانة درامية تنأى بقصيدته عن المباشرة والغنائية وتجعل المتلقي متفاعلا مع المراوحة بين صوتي الشاعر والشخصية المتقنع بها ، فالموسوي يذيب صوت الماضي بالحاضر ملبسا اياه رداء شعريا معاصرا ، واذا كان النقاد يرون ان شعرة واحدة تفصل بين الرمز والقناع ، فالشاعر هنا يمنح الرمز بعدا كونيا واسعا ، ويمهد المتلقي لتقبل ارتدائه قناع الامام الحسين ( عليه السلام ) بالحديث عن دمه المسفوح بالبراري السائل عبيطا في منعطفات بلاطات الحكام ، بيد أن القناع يصل ذروته حين يصرخ ملء فيه ( أما من ناصر ؟ أما من معين ؟) ، لتغدو هذه الصورة الكونية الخالدة رمزا لكل ثورة انسانية ترفض الظلم ، فالنص لايكتفي بحمل الابعاد الدينية والعاطفية للثورة بل يركز على البعد الفكري الانساني ، اذ اضحى الموت سموا ورفعة وانطلاقا ، ويبث الشاعر رؤية ايديولوجية متقنة لرمزية الفعل الثوري للامام الحسين ( الرمز والقناع ) صرخة المظلومين عبر العصور ، لكن الشاعر سرعان مايتخلى عن القناع مصرحا باسمي الحسين والمسيح موحدا بينهما ، ومن الجدير بالذكر ان مزج شخصيتي الحسين والمسيح عليهما السلام مألوف في الشعر العربي منذ جيل الرواد ولعل من الشعراء الذين اكثروا من ذلك الشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب ،
ان الشاعر يؤكد ان الدم المقدس المهدور على ايدي الظلمة منتشر في العالم كله فهو هنا وهناك ، قريب وبعيد على قد ما وصلت صافنات النهار وهو سرمدي خالد ، فالموت ممتد خالد ، والتضحيات ذهبت هباء وهذا الحسين الجميل ولنقف برهة عند هذا الوصف فهو لم يصف الحسين بالشهيد وهي صفته المألوفة ، بل وصفه بالجميل لأن الشعر ليس من طبيعته ان يقول ما قيل أ ويسمي الاشياء بمسمياتها بل يفجر اللغة ليخلق علاقات جديدة بين المفردات ، والشاعر يريد القول ان التضحية ذهبت هباء وان الحسين صار محض مسيح ذبيح ، فه هنا يرمز الى ضياع التضحية ووأد الثورة ، وفقدان الرمز دوره اذ اضحى مجرد ذكرى ، ولم تؤت التضحيات اكلها .
يختتم الشاعر قصيدته بالقول :
وليلى
وشباكها المخملي تغازل احلامها
بقصائد كل الرواة
وزاجلة من حمام الجراح
تدف رويدا بغير جناح
وتهدل بين ضلوع الفجيعة
ـــ يا أيها الغافقي
سأبكي عليك
بكاء التي اسقطت كبريات الطماح
بكاء يعاقر وحشته في مهب الرياح
يلجأ الشاعر الى خاتمة حزينة ، فليلى رمز الحب العذري الصادق لما تزل تعيش حلمها المنتظر الذي لم يتحقق والحمامة رمز السلام تدف مقطوعة الجناحين بعد ان ذبحتها مدى الهزيمة ، وتهدل على فجيعتها المتجددة ، والغافقي ينهض بعد ان استدعاه الشاعر من ذاكرته التاريخية وخاطبه بوصفه رمزا لاول هزيمة عربية وانتهاء الحلم العربي بالانتصار على الفرنجة . ولعل الشاعر هنا اختار هذا الرمز ليؤكد ان زمن الهزيمة استمر قرونا وان آمالنا سرعان ما تتحطم على صخرة الواقع
ان الشاعر تعمد ان يختتم قصيدته بنبرة حزينة يائسة يعاود فيها انكفاء الذات الشاعرة على عزلتها الرافضة بعد ان لم تجد ؟أمامها مجالا للتحليق بعيدا عن زمن الهزيمة المرة .
ان قصيدة ( أحلام السرار الاخيرة ) كما يبدولي هي قصيدة ذاكرة وحلم فالشاعر منذ العنوان يلتجىء الى الحلم هربا من الواقع ، فالحلم في القصيدة هو وعي اللاوعي ان صح التعبير ، وهو هروب واع نحو منطقة اللاوعي وكأن الشاعر يريد ان يجعل من منطقة الحلم منطقة امتزاج بين الانا والاخر ، الواقعي والمتخيل ، الفرد والمجموع خالقا مكانه المتخيل ، مازجا بين الذاكرة وثقافة الشاعر الموؤدة بواقع ذبيح.
ان هذه القصيدة بحق قصيدة باذخة في بنائها الفني ورمزيتها العالية وبوحها الشجي وبكائيتها المتقنة ، لذلك لا ابالغ بالقول انها بكائية وطن اثخنته الجراح وامة قطعتها المدى ، ولذلك ارى ان هذه القصيدة هي مفتاح ديوان الشاعر كله .
مصادر البحث ومراجعه
ـــ الابداع والمشروع الحضاري : أنور عبد الملك ، مجلة فصول ، المجلد الثالث ، العدد الثالث ، 1984.
ـــ الاغذية والادوية : محمد العربي الخطابي ، ار الغرب الاسلامي ، المغرب 1990
ــ أنساب الاشراف : البلاذري ، تحقيق محمد باقر المحمودي ، مؤسسة الاعلمي ، بيروت ،1974
ـــ البداية والنهاية : اسماعيل بن عمر بن كثير ، مكتبة المعارف ، بيروت ،1990
ـــ تاريخ مكة :د. محمد الياس عبد الغني، دار المدينة المنورة ، السعودية ،2001
ـــ التحليق في فضاءات النص : أ.د. محمد جواد البدراني ، دار دجلة ، الاردن ، 2015
ـــ تفسير الاحلام : سيجموند فرويد ، ترجمة مصطفى شغوات ، دار المعارف ، مصر ،د.ت
ــــ التفكيكية في الفكر العربي القديم : د. عبد الله خضر حمد ، دار القلم ، بيروت ، 2016
ـــ ثريا النص مدخل لدراسة العنوان القصصي: محمود عبد الوهاب ، دار الشؤون الثقافية ، 1995
ـــ الحداثة في الخطاب النقدي عند آدونيس: د. فارس عبد الله بدر الرحاوي، دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، 2011
ـــ خزانة الادب ولب لباب لسان العرب : عبد القادر بن عمر البغدادي ، مكتبة الخانجي ، القاهرة ، 1986
ـــ خطاب الرؤيا في الشعر العراقي المعاصر : مريم جابر عايش ، رسالة ماجستير ، جامعة المثنى 2017
ـــ ديوان مالك بن الريب : تحقيق د. نوري حمودي القيسي ، مستل من مجلة معهد المخطوطات العربية المجلد 15 الجزء الاول
ـــ رهانات شعراء الحداثة : فاضل ثامر ، دار الشؤون ، بغداد 2019
ـــ الريح والرياح في القرآن الكريم : محمد متولي الشعراوي ، شبكة المعلومات العالمية
ـــ سنن ابن ماجه : محمد بن يزيد القزويني ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، دار احياء الكتب ، 2010
ـــ علم النفس والتاريخ : يوسف احمد ، دار النهضة ، القاهرة ، 2003
ـــ مجمع الامثال : ابوالفضل النيسابوري الميداني ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، العتبة الرضوية ، ايران ، د.ت
الملهوف على قتلى الطفوف : علي بن موسى بن طاووس، دار الاسوة ، قم ، د.ت
ــ الوجود والعدم : جان بول سارتر ، ترجمة عبد الرحمن بدوي ، دار الاداب بيروت 1966

السبت، 6 أبريل 2019

(إضاءات نقدية خلف الوقت ) دراسة تحليلية مكثفة لقصيدة غازي ابوطبيخ الموسوي بقلم الناقد كريم القاسم

(إضاءات نقدية خلف الوقت )
دراسة تحليلية مكثفة لقصيدة
غازي ابوطبيخ الموسوي
الناقد كريم القاسم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• هذا العمل الادبي قد تهيكل بعنوانٍ وسبعة مقاطع . وأنا قد تعودتُ أن اقرأ لصاحب هذا النص نصوصاً قصيرة او متوسطة ، لكني هنا وجدت الحال قد بدأ بالبوح المنتفض .
وكعادة المتمرس والخبير بصناعة الحرف ، فمَلَكَـتهُ تضع وتصنع من النسج الشعري الوجداني مايخضع الى جمال البلاغة والابداع والفصاحة.
• النص الذي امامنا قد غزاه الشجن الحزين ، والآمال البعيدة عن التحقق ، حتى وصلت الى درجة المحال .
• العنوان ( غدي مازال خلف الوقت) جاء على شكل عبارة او جملة ، وهنا يبدأ صمام البوح بالانفتاح . وعندما يكون العنوان جملة فانه ينذر بوجود سيل غزير من السبك وفيض من الالفاظ مادام الفعل الناقص (مازال) يحمل دلالة الاستمرار.
هذا العنوان ابتدأ بلفظة (غَدي) والذي جاء يمثل المستقبل لا الشخصاني بل جاء بالمعنى او القصد الشمولي . إذاً بدأ الشجن بالوضوح ، وسينجلي هذا المحال واستمرار الحال بتدفق الفاظ الألم ، فالشاعر أكدّ للمتلقي بان المستقبل مازال يهرول خلف الزمن لا سابقاً له . وقد جاء العنوان برمَّته مُستنبطاً من فحوى النص ، وهذا من جمال التأليف .
• جاءت المقاطع السبعة وهي تحمل شجناً يختص بكل مقطع ، وجاء هذا الشجن مسترسلاً مترابطاً بعناية حتى يغيب عنها مبدأ العشوائية .
المقطع الاول /
ـــــــــــــــــــــــــــ
احتوى الأمر ، حيث جاء الافتتاح بفعل الامر (خذيني) ثم يعطفه بفعل أمر آخر (ذريني) وهو يخاطب (الغمامة الحمراء) والمعروف بأن الغيوم تحمر لونها عند الغروب وهي ظاهرة فيزيائية ، والغروب هو موطن الحزن والشجن ثم يُطرِّز المقطع بلفظتي (ضَجَّتْ) و(استوحشَ) وهما جوهر الحزن المنتفض .
المقطع الثاني /
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
احتوى تحديد الهدف المُخاطَب ، وهو الحيز المكاني ، حيث قال (هنا هنا غاب من الكلمات) وكررها مرة أخرى للتأكيد (هنا قلب الحقيقة في مهب الريح) ، اي لامجال للأبتعاد عن هذا الاحداثي . ثم يبدأ السبك الشعري الذي لايخلو من الموسيقى الشعرية المُستساغة ، وجاء الوصف مكتنز المعنى والاشارة حين نشر الاشطر :
" أحدق في غدي المطعون
من قبل!!
ومن دبر!!
فأشهد انه مازال خلف الوقت "
ومجيء فعل الامر (اشهد) دليل على تأكيد الذات لماسبق من وصف.
المقطع الثالث /
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
احتوى وصف حال الهدف وهو (الوطن) وقد بانت مقاساته الآن ، فهو يبدأ بقلب وجوهر الوطن الكبير (القدس) وقد أجاد شاعرنا أَّيما إجادة في وصفه :
" هذا المشعل الازلي
هذا التاج والمنهاج
هذا الطائر المعراج
مذبوح من الاوداج "
اربعة اشطر معبرة وطائرة بقافية جميلة حرف (الجيم ) وهو من أصوات الجهر والتي جاءت مناسبة وهذه المعاني والمسميات . ثم ان هذا التسلسل المقفى دليل على الاثر الانفعالي في ضخ الذات .
المقطع الرابع /
ــــــــــــــــــــــــــــ
احتوى وصف حال الذات للشاعر ، وهو ينزاح الى مشاعره الدفينة ، ويفرشها على بساط النص ، مُحمَلة بكل عناصر الحزن والأسى والجوى ، فيأتي بقلبه طائعا امام الجمهور (ومالي غير هذا القلب) ويصف حاله بالتفاعل التبادلي وصراع الذات (اجرحهُ ويجرحني ـ واعزف نبضه القاني ويُعزفني) ثم يعطف عليه بتصريح لفظي آخر دال ليجعله القلب الاكبر (ومالي غير هذا الشعب) (اوزعه ويوزعني) ، وهذا التعبير المتوازي مع ما قبله يعتبر من جمال السبك .
المقطع الخامس /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
احتوى الرمزية والتي هي قلب القصيدة ، حيث يأتي بـ (كأن) مرتين ليؤكد التشبيه (كأن مكامن البركان في رئتي - كأن الارض والإنسان يجتمعان في لغتي دماً ) وهذا من البديع ، ثم يأتي برمزية هائلة قد احتوتها ثقافة الشاعر ورصيده الميداني المُعَـبِّر ليعلن انتفاضة الحرف مرة أخرى كالبركان الزافر من كوامن الرئة ، فيالها من زفرة وهدرة ، فَسطَّر الرمزية الدالة :
" يري مابعد بطن الحوت
غدا بقميصه المرقوع
غدا بفؤاده المفجوع
ينهض من رماد المصطلى
او من سعار الجوع
ويصعد في جمال الحق "
المقطع السادس /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
احتوى التفاؤل الذي لم يستمر حتى بدأ بالانزياح والنزوح الى التشاؤم . حيث تفائل الشاعر بإستواء الوقت والزمن بإشراقة النور الإلهي الموعود لتعم عدالة السماء ، وهنا استوقفني هذا السبك الفصيح الرائع حين يرصف العبارات التي زانتها الفاظ هائلة ورشيقة ترافق هذا الاشراق :
" وينهض كل ذي جدث
ويمرع كل ذي يبس
ويقعي ناكص الخطوات "
الالفاظ (جدث ـ يمرع – يقعي) ليست بالغريبة او الوحشية النافرة عن الذوق والسمع ، بل هي من رشيق اللفظ وفصيحه ، وأتت ْ موائمة للمعنى وهذا من شروط السبك والنظم والانشاء . فمعانيها على التوالي (قبر- الخصب ـ يجلس على اليته) ونلاحظ كيف اتت المعاني مُقاسة على الالفاظ .
ثم ينماز اهل الباطل عن اهل الحق بظهور هذه العدالة المنتظرة . حيث يأسف الشاعر الى اخوان في الدين والدم ممن اغواهم الشيطان ، مازالوا على عهد الغواية والاثم ومناصرة الشيطان "
" وا اسفي ?!
اخ في الطين?!
والكلمات
والأشجان
أخ مثل النعامة مسبل الأجفان
حتى الآن
حتى الآن...
يستمري طقوس الذل
منكفئا?!
ويعبد اكبر الاوثان!!!!! "
المقطع السابع /
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
والذي جاء بالخاتمة الاحساسية المرهفة والتي حَمَّلَها رمزية دالة واضحة بتوقف الاسف ، لان لافائدة من صراخ الحرف ، وهنالك من يختبيء تحت عباءة الشيطان . فياتي بالشطر :
" كفى اسفا "
ـ وهذا الابتداء بالفعل :في) هو دليل على الاستغناء ، ثم يصف حال من يأسف عليه فيقول :
" علي من غص بالغثيان
قبل بداية الإبحار
واخفى راسه المعروق
تحت عباءة الشيطان...! "
ــ والقاريء لعمق النص يجد خفوت البوح والشجن ، لنهاية هذا الزفير البركاني بهذه الخاتمة الدالة .
ــ امامنا نص اتصف بالطول الخالي من الحشو والمبالغة في الرصف ، وللطول دلالة على عمق الألم والتوجع والهمّ والحزن .
ــ رصف الشاعر نظام الاسطر القصيرة الطول و القليلة الالفاظ ، والتي تعتبر من مشاق التأليف .
ــ نجح الشاعر في الإتيان بصور شعرية غاية في الروعة ، والتي لاتحتاج الى معادلات لفك الرموز والطلاسم ، وهذا يندرج تحت لافتة الوضوح والجلاء وفطنة المؤلف .
ــ استخدم الشاعر الالفاظ التي تناسب معانيها وهذا من جمال الفصاحة في السبك والانشاء .
ــ لم يُزِغ الشاعر عن فحوى الفكرة ، ولم يأت بما يشوش الذهن والاحساس للمتلقي .
ــ تحية وتقدير للاخ الاديب الاستاذ غازي ابوطبيخ لهذا العرض المشرق الدال ، وليس ذلك بغريب على مشيب احتضن الادب كاحتضان ( البحر للسفان) والذي جاء تعبيراً عن مخاض وإرهاصات ، لزمنٍ غردّ بغير لحن .
ــ الحديث ذو شجون ... لكن هذا مايسمح به الحال لنقد هذا الجمال .
محبتي وتقديري ..
......................................................
(النص)
غدي ...
مازال خلف الوقت
للشاعر غازي ابوطبيخ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-خذيني....
يا رياح الشرق
صرف غمامة حمرا
وذريني....
على تاريخك المنسي
أو تاريخك المتواطئ الهمجي
امحضه دمي حينا,
واخرق صمته اخرى....
فقد ضجت مدائن مهجتي
واستوحش المسرى
.............................................
.
دخان من أجاق الحقد
يغشى باحة الوطن
وقاطرة معربدة
تراءت من تخوم الريب
تحمل كل مرتجف ومرتهن
سراج القدس
هذا المشعل الازلي
هذا التاج والمنهاج
هذا الطائر المعراج
مذبوح من الاوداج
والسكين?
والسكين?
يا ويلاه!!!!!
منسوب الى سوق النخاسة
في مستنقع الفتن
............................................
ومالي غير هذا القلب
اجرحه
ويجرحني
واعزف نبضه القاني
ويعزفني
زمان الخوف
ارقه وارقني
زمان الرعب
يشنق بهجة المدن
ويعلن
مهرجان الشك
والغثيان
والافن
ومالي غير هذا الشعب
اوزعه ويوزعني ..
فنرقص
كالهنود الحمر حول النار
لاندري ....
ابعد الرقصة الخرقاء
من زمن
بلا محن?!!!....
..........................................
هنا غاب من الكلمات
مصلوب كزيد الخيل
فوق جدار آمالي
هنا قلب الحقيقة في مهب الريح
يرقل بين اضلاعي
ويعرض كل احوالي
أحدق في غدي المطعون
من قبل!!
ومن دبر!!
فأشهد انه مازال خلف الوقت
مثل طموح اطفالي
....................……………………....
كأن مكامن البركان
في رئتي
كان الارض والإنسان
يجتمعان في لغتي
دما...
يضرى بسر النار
دما ...
يعرى علي بوابة الثوار
ويطلق خيل قافيتي
يرج خرائط الموتى
يزلزل وهدة الثاوين
في غيبوبة الافيون
ويدنو من حجاب الموت
يسبق مدلجا
حتى خيول الفوت
يرى مابعد بطن الحوت
غدا بقميصه المرقوع
غدا بفؤاده المفجوع
ينهض من رماد المصطلى
او من سعار الجوع
ويصعد في جمال الحق
فثمة رغم لفح الريح
يشهد ساري البيرق
..............................................
سيشرق
صحصحان الوقت بالأنوار
وينهض كل ذي جدث
ويمرع كل ذي يبس
ويقعي ناكص الخطوات
وا اسفي ?!
اخ في الطين?!
والكلمات
والأشجان
أخ مثل النعامة مسبل الأجفان
حتى الآن
حتى الآن...
يستمري طقوس الذل
منكفئا?!
ويعبد اكبر الاوثان!!!!!
............................................
أحس جوانح التاريخ
تحضن مهجتي
كالبحر
والسفان...
قالت ..والنجوم معي..
سهارى تشهد الميدان...
- هدير البحر
يكشف عزمة البحار
فامخر
ضد مجرى الريح
والتيار
كفى اسفا
علي من غص بالغثيان
قبل بداية الإبحار
واخفى راسه المعروق
تحت عباءة الشيطان...!
....................................................................
أجاق : فرن او موقد كبير
يرقل : نوع من المسير المتقلقل المرهق..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ