السبت، 18 أغسطس 2018

المكنون في قصيدة (مازلت اسمع الصدى)..مطالعة بقلم الاستاذة نائلة طاهر ..

المكنون في قصيدة
(مازلت اسمع الصدى)..
مطالعة بقلم الاستاذة نائلة طاهر ..
.............................................
للمكان في القصيدة خصوصية هامة لا تعتمد بالضرورة على تحديده ولكنه يبرز من خلال المعنى ،و هو يتجلى تدريجيا عبر تواتر الصور الشعرية وتصاعد إيقاعها ،خاصة اذا ما كانت للشاعر علاقة وشائجية عميقة معه ،تصاعد الايقاع هو ميزة هامة بالنص إذ تنبئنا موسيقاه بما هو ضاج في عاطفة الشاعر ولعل العاطفة هي السمة الغالبة في النص يكاد معها يغيب العقل ، فنرى الشاعر كتلة مشاعر محترقة صادحة مذهولة ولكنها مع كل ذلك متحركة ،الضامن لتلك الحركية ايقاع غريب سري يتسارع كلما ضاق المكان أو اتسع أوكلما تأزمت علاقة الشاعر به وكأنك إزاء هارموني تصنعه نبضات القلب التي تتحكم في الأنفاس والشهقات وبالتالي في الوقفات. يمكن ان نسميه الايقاع "المتوتر" أو كما قال عنه الشاعر و الباحث المغاربي فرج العربي الايقاع الغامض هنا يستغني الشاعر عن الايقاع الخارجي و يوظف الايقاع الداخلي الذي يشكل القصيدة فتتحول كما يقول ميتشونيك الى "دال جوهري"
المدلول الجوهري الايقاعي استخدم جيدا لاستلاب وتملك ذهن القارئ فحين قلنا إن النص خال من توصيف تفاعلات العقل لم نكن نعني ان لا رؤية فكرية به ،وانما كان اتجاهنا يسير نحو لفت الإنتباه إلى ما تحويه القصيدة من إشارات شبيهة بطرائق الصوفية للوصول إلى الحقيقة .تطلق الصوفية على ادراك العقل علما (العالم )وادراك القلب معرفة وذوقا (العارف ) لذلك عمد الشاعر إلى خلق مدمج بينهما تصبح بمقتضاه القصيدة حاملة لوجهتين متجانستين ، وجهة معرفية وأخرى علمية ،او رحلة بحث عن مُجسد حقيقي لما ينطق به الصمت ويردده الحجر ليستقر في القلب أمل صادٍ متعطش و فكرة محرضة على السعي نحو الرواء .
بعض الأحجار
ناطقة
مثل جدران مدينتنا
القديمة
اسمعها بالقلب
من الجهة النازفة
فبيني وبينها
طريق مسكونة
بالأمال الصادية
هذا ما جاد به طريق القلب من سبل تلتقي مع طريق العقل حين يدخلنا الشاعر دائرة ضوئية شبيهة بفانوس ديوجين ذاك السراج الذي يمسكه الفيلسوف نهارا بحثا عن حقيقة ما .ولجوء الشاعر إلى استعارة رمزية هي سراج ديوجن المستعين بالضوء نهارا في بحثه عن إنسان ما لا يراه بين كل الناس التي يحيا معهم ، فيه مفارقة مقصودة تؤكد أن القصيدة كتبت على النحو العرفاني الممتلك صاحبه للمعرفة ببواطن الأمور وحتى شخصية ديوجين نفسها لها دلالة مشتركة مع المتصوف بِشْرُ بِن الحَارِث الحَافِي فكلاهما كان يسعى حافيا في الأرض دون نعل في رحلة بحث لا تنتهي.
لذلك تضيق دائرة المعنى لتصبح في مجملها دفقا روحيا يتسرب إلى عقل القارئ من خلال التحكم في ردات فعله كلما تدرج المعنى نحو الاقناع .فديوجين كان يبحث عن رجل نبيل يسطع بالحقيقة ،والشاعر كان ينتظر يدا تأتي بالخلاص لمدينة تنطق أحجارها و تحترق مدنها وزياتينها في لحظات ذهول من ساكنيها ،ذهول قد يتمناه المرء لحظة حلم صاخب لا يتحول ابدا الى كابوس .وككل شاعر أصر شاعرنا على أن تكون ذاكرته ملتحمة بإرادته فجعل من ذاته الخاصة السراج المنتظر .وحين تمنى أن يعلق هو على سماء مدينته لم يكن يقصد سوى الإشارة إلى أن ما حواه عقله المستنير وما جعل روحه تسمو كفيل بأن يعم بعده السلام ،لكننا لا نعرف ان كان ذلك السلام روحيا أو ماديا أم هو كما اراده الشاعر مزيجا من الاثنين وقد يتوقف ذاك على مدى الٱستجابة للرؤية .فلكل شاعر استشرافي رؤاه الخاصة ولكل قصيدة قدر لا يحدد من التورية والتغيير خاصة مع القصائد التي تبلغ فيها مستويات التحديث أقصاها .
نص الشاعر:
...............................
مازلتُ أسمعُ الصدى:
،،،
*
بعض الأحجار
ناطقة
مثل جدران مدينتنا
القديمة
اسمعها بالقلب
من الجهة النازفة
فبيني وبينها
طريق مسكونة
بالأمال الصادية
روح تحمل
فانوس ديوجين
وليس من شمس
في نهارات القلق،
الانفاس
معقودة الأحلام
ب"فردوسها المفقود"،
هي تتدلّى
كالعنقود
بانتظار لحظة حالمة
بيد بيضاء صادقة
بيضاء
بلون البرق
إنّ العنقود
في مواسم القطاف
والهواجس
تتبركن رويداً
في أفئدة الرعاة
الرعاة المغنون
على شفاه السواقي
مازلت أسمع الصدى
فأهتف من هناك
-يامدينتي العتيدة،
يا ام البساتين الفقيدة
ويا حسرة روحي
المخنوقة
لازالت آمالي سادرة
ان اسطع
في سمائك
من جديد
شمساً
واغنيةً
وزهرة لوتس...
أن تعزف أناملي
على اغصان
زيتونة بيتنا القديم
بيتنا المثخن
بذكريات السنين
أغنيةً
تُزهرُ على أنغامها
الدماء القانية
من بين حبات
التراب المضمّخ
بدموع الثكالى
ورداً
وأطفالاً
وعصافير...

دراسة نقدية مكثفة في قصيدة سراة الليل للشاعر غازي احمد الموسوي بقلم / الاديب كريم القاسم

سراة الليل ( دراسة نقدية مكثفة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصيدة هذه ، عبارة عن نتاج شاعر يتميز بقدرة التنقل بأسلوب الحبكة والمُنشأ البنائي للقصيد بأنواعه ، كونه ابن مدرسة أدبية بصرية عريقة ، عاصر حركة التطور الشعري ولاصق عناوين فكرية وابداعية كثيرة ، مما أثمرَ مداداً ذي مسارات فكرية ، وصوراً ابداعية متنوعة ملتزمة لاتخلو من الحزم والثبات .
المقدمة :
ــــــــــــــــــــ
احسن الشاعر توضيحا ً للضمير الشخصاني لا الشخصي ، حيث جعله هو الهدف ، وادخل هذا المفهوم الفلسفي الأنساني البحت ، الذي يمثل حالة التطور الانساني فكريا ، وجدانيا ً، للوصول الى تحقيق الذات والوجود .
الاهداء :
ـــــــــــــــــــــــ
الاهداء جاء بصيغة الارسال ، ارسال الى قومه كونهم بموقع الحبيب بالنسبة للشاعر ، وهنا استخدم الدقة في الاختيار ، كون الحبيب هو اقرب كائن الى القلب والوجد ، ويجعل القاريء مُتَهيئاً لاستقبال رسالة او خبر .
العنوان :
ـــــــــــــ
جاء العنوان هنا ، مُقتـَطعاً من احد الاشطر في البيت التالي :
" كفانا سراةُ الليلِ يومَ توسّلوا... اليكَ السُّهى فُلْكا وما زلْتَ ساميا "
وتم قطعه بمشرط جراح خبير ، فلقد اختار الشاعر هذا العنوان (كفانا سراة الليل) ، لوثوقه بأن هذا المقطع هو طعم لصيد الامتاع والاستمتاع ، وهو يضع بين يدي القاريء والسامع مفاتيح الفهم والاستدراك لما يأتي ، فقد استخدم لفظة (كفانا) ليضع الخطاب الجمعي لـ (سراة الليل) ، وليضع امنية الأكتفاء والانتهاء من نفوس تأخذ من الليل غطاء ووقاء .
القافية والموسيقى :
ـــــــــــــــــــــــــــ
قد يسأل سائل : كيف تنتهي الابيات الشعرية بكلمات مرة تأتي مجرورة ومرة مرفوعة ومرة منصوبة ، ويضاف لها الف الاطلاق لتوحيد القافية ؟؟؟
مثلاً : ( بالأماني ، القوافي ـ سامي ) كما في الابيات التالية :
" على قلق يمّمْتُ شطرَك ساعيا… كأنكَ أضرمْت َ الهوى بالأمانيا "
" عصِيّاً بما حمّلْتً نفسَكَ غايةً… تنوءُ الرواسي تحتَها والقوافيا "
" كفانا سراةُ الليلِ يومَ توسّلوا... اليكَ السُّهى فُلْكا وما زلْتَ ساميا "
نقول :
ان الشعر هو لسان العرب ، وقد تناقلوه جيلا بعد جيل سماعا ً لقلّة الكتّاب ولعدم انتشار الكتابة بينهم ، لذا كانوا يجيدون الحفظ للقصائد ولكل ما يُنشَد من قصيد . وسِمة الشعر السماعي هي ماتسمعه الاذن ، وليس مايخضع للاعراب من قبل النحويين ، وهذا ما اتفق عليه معظم علماء اللغة .
بعد كل هذا ، إذا ً يجوز للشاعر ان يضيف ألف الاطلاق على حرف الياء المقدرة في نهاية الكلمة ، ولدينا من الشواهد الكثير على ذلك ، كقول المتنبي :
" أُريكَ الرِضا لَو أَخفَتِ النَفسُ خافِيا ... وَما أَنا عَن نَفسي وَلا عَنكَ راضِيا "
وهذا مافعله الشاعر ، حيث اضاف الف الاطلاق لتتوحد القافية وتنسجم الموسيقى الشعرية مادام القصد هو عدم الاخلال بالموسيقى السماعية لقافية القصيدة .
الرمزية والإيحاء :
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الشاعر تَعمّد ان يجعل النص بعيدا عن الرمزية العقيمة ، والغير مفهومة ، والتي تنهج نهج الطلاسم ، بل اكتفى بالإيحاء الواضح الجليّ ، وهذا من ذكاء المؤلف . كون الخطاب موجّه الى قاريء متعدد ومتباين الادراك والرؤى ، فلابد من الوضوح الذي لايخلو من المفردات الجميلة لفظا ومعنىً ، كما في :
" تجيشُ القوافي عندَ بابِكً غَرّة ... وبحْرُكُ يبقى حولَها مُتراميا "
" انا بابلٌ والنيلُ والقدسُ والسُّرى … انا قلعةُ التاريخِ والفتحُ بابيا "
الحكمة والموعظة :
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
استوعَبَتْ القصيدة نوع من الحكمة والموعظة ، وهذا من جميل التآليف ، التي أميل لها شخصيا ً ، فهي ليست بالتآليف الهيّنة أو السهلة ، بل نتاج خبرة العُمر وعصارة الفكر ، وهيَّ تعطي متانة للسبك ، وخاصة عندما يوضع المعنى بمكانه الصحيح والمناسب ، ويسير البيت الشعري مسار الحكمة ، لينير الفكرة المطلوبة . كقوله :
" وما كل ّ غوّاصٍ ينالُ الدراريا ... وما كلُّ ذي جُنْحٍ يطال المعاليا "
" وكمْ مِنْ أميرٍ خلّدتْه ُ قصيدةٌ … ولولا قصيدُ الناسِ احْجَمَ خابيا "
المطلع :
ــــــــــــ
بما ان الشاعر ، من الرعيل الاول ، فهو يفرز لنا عطاءً متناغما ً مع اصحاب القريض الأوائل ، فالمطلع عندهم لابد أن يبدأ بالغزل والتغزل ولكون الشاعر يتصف بالألتزام والخلق الكريم ، فقد اجاد في نهجه الغزلي المبطن بالحزن ، حيث عرض مفردات قد اشبعها وجدا ً ولهفة ليجعل القاريء يغرق في معاني شوقٍ ووَجْدٍ تفيض شفافية متدرجة ، متسلسلة الى هدف منشود وقصد مرجو . واعجبني هذا البيت :
" فأبلغَ عني أنّ حبّكَ مَلجأي … اذا عصفَ الدهرُ الخؤونُ بحاليا… "
المقطع :
ــــــــــــــ
يتفاجأ القاريء بنقلة ذكية تأتي كالصاعقة ، وبعد البوح والوجد والصبابة ، يتفاجأ بلفظ قوي ، وتعريف غاية في الرصانة والتعريف ، حيث بدأ خطابه بـالضمير
(أنا ) مستخدما تعريف الشخصانية ، حتى بلغ تعداده خمس مرات ، وهنا اصبح المتطلع الى النص أمام تعريف فخري ، وخطاب سؤدد وزهو ، ليقود المتابع الى توضيح فيه اتقان في الحبكة ، ليتعرف على مدعاة الفخر والشموخ ... فأصبح العرض يُحير القاريء ويملأه دهشة في سمو الاختيار للمعاني ، وملاحة المفردات ، ونضارة الألفاظ ، حتى هالني مضمون وجمال هذا البيت :
" وكنتَ لها يا ذا العراقُ تضمُّها … بجنبيكَ آلافَ الجراحِ الدّواميا "
والجميل اكثر ، جاء بلفظ العراق وهو (مُعرَّف) لا (نكرة) .
الخاتمة :
ـــــــــــــــــ
" فخذْ علقاً مني ومنكَ رَجاحة ... ً ومنْ أحكمَ التسديدَ، أصمى المراميا "
أيّة خاتمة نافذة هذه ؟
لقد أبَي الشاعر ، إلاّ ان يختم القصيدة بشطرٍ ، يجري مجرى الحكمة مرة أخرى ، وقد أتى بلفظة (اصمى ) وهي في مكانها الصحيح التام المعنى ، فهي توحي بوقوع الصيد بين يدي الصائد والفوز بهِ . وكنت اتمنى وجود حاشية للنص ، لتوضيح معاني بعض المفردات ، كون الخطاب موجّه لشريحة عامة لا خاصة ، كي لانجهد القاريء بالبحث والسؤال .
نظرة عامة :
ـــــــــــــــــــــ
الشاعر (غازي أحمد ابوطبيخ ) ، ينتمي الى اسرة عريقة النسب ، كريمة المُحتَد ، من فرع شجرة نبوية طاهرة ، قد تَجلَّتْ تلك التربية في ارجاء القصيد ، فخاطب القوم بما يعكسه ذلك التهذيب من أدب وسمو وعراقة والتزام ، مستخدما الشخصانية في الحوار والتعريف :
" انا فيضُ طه والنهارُ جوانحي … انا المجدُ جلّتْ في رؤايَ المعانيا .."
والمتصدي للنص ، يجد هيكل القصيده ، يأتي مطابقا لمواصفات النسق القديم للشعر العربي ، وقد إرتَدى ثوبا ادبيا يمتاز بالنسج العصري ، ويجد فيه طوفان هائل من المعاني المشرقة ، والتي ما انفك الشاعر يملأ كل فجوة بما يناسبها من الثقل الادبي العريق ، حتى تجد صورة الالم والوجع مما الَمَّ بالوطن من محن وآهات ، قد أجاد في تصويرها وتأطيرها ، حتى أشار بوضوح لمواضع الجراح ، ومواطن الآلام ، والجميل في ذلك ، انها تخلو من الخنوع والجزع ، مما يضفي على النص شموخا ووجاهة وكبرياء ، تناسب عراقة شعب ، وسمو وطن .
أنا اسمّي هذا النوع من الشعر ، بالشعر الوطني لا السياسي ، حيث هنالك فرق كبير بين الوطنية والسياسة ، وكلاهما يبحث عن هدف مختلف ، فالشعور الوطني لدى اي شاعر يجعله يعيش مع القصيد حرفا بحرف ، حتى يتلبس كلاهما بالآخر ، ولا يتأتى هذا إلا لِمَنْ كان صادقَ السريرة ، وناضج التفكير والاتزان ، ولمن عاش معاناة شعب ، وخاف على مصير أمّة .
ــ احسنت ايها الشاعر الرصين والقلم المتين ...
فلقد امتعتنا بوابل من المعاني السامقات ، واللفظات الفارهات ، وليس ذلك عليك بغريب .
تقديري الكبير ...
............................................................................
(القصيدة)
كفانا سراةُ الليل
.......................
على قلق يمّمْتُ شطرَك ساعيا… كأنكَ أضرمْت َ الهوى بالأمانيا
تُطالعُني بالشمسِ في غسقِ الدُّجى… فتُمْرِعُ آمالي وانْ كنت نائيا
قصيّا بما حكّمْتَ شأوكَ في العُلا… سُمُوّا وشأنُ البدْرِ يسْمُق ُ عاليا
عصِيّاً بما حمّلْتً نفسَكَ غايةً… تنوءُ الرواسي تحتَها والقوافيا
بلى سبَقَتْ منك العرافةُ بَوحَنا… وأطبقْتَ في الحالينِ قِرْماً ورائيا
وما كل ّ غوّاصٍ ينالُ الدراريا ...وما كلُّ ذي جُنْحٍ يطال المعاليا
كفانا سراةُ الليلِ يومَ توسّلوا... اليكَ السُّهى فُلْكا وما زلْتَ ساميا
تجيشُ القوافي عندَ بابِكً غَرّة ... وبحْرُكُ يبقى حولَها مُتراميا
وكمْ مِنْ أميرٍ خلّدتْه ُ قصيدةٌ… ولولا قصيدُ الناسِ احْجَمَ خابيا
وفيضُك للساعينَ خُلْدٌ مُنَوّرٌ… اذا قيل فيك الشعر اصبح باقيا
كأنّ عناقيد َ النجومِ تنزّلت.. ْ على كتفي حتى توهّجَ ما بِيا
اُناجيك ُ لكني بحبّك َ اصطلي… ولولا نحولُ الجسم حلّقْتُ ساريا
كأنّ جناحَيْ طائرٍ خفقا. معاً… بقلبي فأفْضى بالذي كنتُ خافيا
(فأبلغَ عني أنّ حبّكَ) مَلجأي… اذا عصفَ الدهرُ الخؤونُ بحاليا
انا الشعب ُ صوّبْني الى ايِّ جبهة… ٍتجدْني حساماً قاطعَ الحدَّ ماضيا
********
انا بابلٌ والنيلُ والقدسُ والسُّرى… انا قلعةُ التاريخِ والفتحُ بابيا
انا فيضُ طه والنهارُ جوانحي… انا المجدُ جلّتْ في رؤايَ المعانيا
ولي من اراداتِ الحياةِ جليلُها... اذا رمتُ شأناً فالسماءُ مداريا
معي قبسُ الرحمنِ أنّى تكااثرتْ… جراحي وحامت ْ حولَهُنّ السوافيا
فلنْ يُطفِئوا نورَ المحبة ِ في دمي… وقدْ اسرج َ الله العظيم ُ فناريا
وكمْ قصدَ الغيلانُ وأْدَ مطالعي… فأرعدَ فيهم طائري وسما بِيا
الى حيثُ لا يرقى الي محمحم… فقدْ ملكتْ روحي جناحَ المعاليا
وأخلصني ربُ الهدى بالهدى على… درايةِ خلّاقٍ لطيفِ النواجيا
حَباني بأسفارِ النبوة ِ والنُّهى ... وكلّلني بالمُنتهى واصْطفانيا
(وذلك ما لا. تدّعي) امم ُ الدُّنا… فاْنْ جنَحوا فالغي يجْنَحُ باغيا
مكائدُ تترى أحرَنَت ْ بعنادِها… قديماً وما انفكَّ المُهَجْهِج راغيا
فليسَ عجيباً انْ تضجَّ خواطري… بألفِ مسيحٍ حينَ اُبصِرُ طاغيا
وكمْ صلَّبوني غيلةً بعدَغيلةٍ… وسالَ دمي في ماء ٍ دجلةَ قانيا
فما قدَروني حقّ قدْري وانّما… لغاياتِ نفسٍ حُرّة ٍ كنت فاديا
ولو كانَ همّا مُفْرَداً لكتمْتُه… ُبصدري فذاكَ الهمُّ زيتُ سراجيا
ولكنها اسفار ُ شعبٍ خضيبةٍ … وما زال جرحُ ا لامسٍ يشخَب طاميا
وكنتَ لها يا ذا العراقُ تضمُّها… بجنبيكَ آلافَ الجراحِ الدّواميا
فخذْ علقاً مني ومنكَ رَجاحة... ومنْ أحكمَ التسديدَ،أصمى المراميا
...............................................................................
الضمير الفردي هنا ضمير شخصاني، وليس ضميرا شخصيا..
هذا يعني ان الشاعر يمكن ان يعبر عن الضمير الجمعي بضميره الشخصي وهو وان كان مجازا فهو ايضا من زاوية نظرعميقة تعبير عن الشعور بالانتماء حد الحلولية الذائبه.......
(غازي أحمد ابوطبيخ)

قراءة في نص شاعر- قصيدة ( سياحة الى عالم الغرب ) للشاعر حسين ديوان الجبوري بقلم / الاديبة نور السعيدي

قراءة في نص شاعر ،،،،
قصيدة ( سياحة الى عالم الغرب ) للشاعر حسين ديوان الجبوري تناولها الأستاذ الناقد غازي أحمد أبو طبيخ على أنها ،، التوجة الروحي المشوب بالوَجد ــ تحديداً
المطلع المرَّوع كما تفضلت السيدة الناقدة بلسم الحياة ، فعلاً مرَّوع ( أيها المشرط ، تمهل لا تفسك دمي ، كومة من القش قلبي ) ،،،
لكن ،،،، لكنهُ .
لكن ،،، لم يوحي النص أن شاعرنا مُريد ومبتلى بالله ومن الله ولم يُقدم جسدهُ قُربان كنيزكٍ سقط بمحرابٍ دائم بقلبٍ لاهب ــ ولم يُخرجنا من كينونتهِ البشرية ليصل بنا لمعراجهِ الروحي بل ( ينفصل ـ ويتصل ) بالعلم الكَسْبي أي بما أكتسبهُ من ثقافة معرفية للأصل والفرع ( أية قرأنية وحديث نبوي ) ولم يصل بنا لإصول الإصول ألآ هو ـ العلم اللَدُني ـ ليأخذنا بسياحة لملكوت التجلي ـ بل هو أطلق العَنان للمطلق لمخيلتهِ كشاعر بمسافات مختلفة في البُعد والقرب من خلال كشف المشاهدة بعين البصر لا البصيرة ،، ويستمر بالسياحة ليضع القارئ بسَلةِ منجنيق ويقذف به من دار الدنيا بدون المرور بالبرزخ لدار الآخرة وما بها من أهوال ومن ثَمَّ فريقيين ـ نعيم وجحيم ولا أدري مدى يقينهُ المطلق من أنهُ صائر للنعيم وهو يمتطي صهوة ( جعفر الطيار رض ) وبطاقتهُ المرورية هو الولاء المطلق ،
المريد هو الغريب في الدنيا والآخرة حتى لقاء المحبوب ( الله سبحانهُ وتعالى ) وإن كان هذا هو الوَجد وهو الأحساس الأولي باللذة أو الألم مع خَلجات النفس ومشاهدة خارج الذهن المألوف مع التوقيع من القلب ببصمة ربانية ليكون المريد بين طَبقي الرَحى ( مجاهدة وعلم ـ أمل ورجاء ـ إلهام وكشف ) فلم أقرأ ولا بين السطور من إيحاء للوَجد .
/ الوجوه أثقلتها أنوار التقوى / ،،،
إنَّ مَن ساحَ بملكوت الله ويأخذ الألهام من الله ( وينثر دراهم الله ـ الحلاج ) والمَرْمي بالحضرة الربانية حتى الجسد لم يَعدْ يدري ( أريدُ أن لا أريد ــ ألآ ما يريد ـ البسطامي ) والمُسلَّح بإيمان ينقل به جبال والغائص بطُهْرانية لُجة الذات الآلهية وإزدهارهُ بنارِ العشق والمقتول ـ المسكون بالعدم وهم ضفوة الصفوة ،، أتُثقل وجوههم الأنوار وقد أستحموا بالأنوار الرحمانية ؟؟؟؟؟
/ قيل هنا مكانكَ حتى ينفخ أسرافيل / ،،،
أشطحٌ هذا أم ماذا ؟؟ وشاعرنا وإن كان طائرٌ طيفورياً ليُحلق بنا على رؤوس الأشهاد ويخبرنا بمكانهِ كما فعلَ الحلاج ( أنا ،،، الحق ) ورَّد عليهِ الجُنيد ( لقد أحدثت ثغرة في الأسلام لا يسدها ألآ راسك ) !!!! أم هي سَكْرةٌ من سكرات الجيلاني ( سقاني الحب كاسات الوصال ـ فقلتُ للخمرة في نحوي تعالي ) ( كلما قلتُ يا هُوُ ،، اتاني غوثهُ كالبُراقِ ) الوجدُ العشق وهنا عندهم تعطيل عيون الرؤوس وفتح عيون القلوب .بِهيام الأرواح بالملكوت ـ وشاعرنا يقف على حافة القبور ليسألهم / هل رأيتم تلك القصور / لأعود لمطلع القصيدة لا للقفلة ،، قلبي كومة من القش .
لكنهُ ،،،،
نص من تواشيح بمحراب الشاعر بإقاعٍ جمالي ـ معيارهُ الوحيد هو الذوق المحصور بالجانب السامي من خلال مُحرضات العاطفة وبخضوع مناسب لهذا الجمال وبجهدٍ للوصول لإنعاش المعنى لديهِ بشمولية المعنى الخطابي ليُبرز صوفية النص وهو ليس بنص صوفي قطعاً كما تفضل أستاذنا الناقد غازي أحمد ابو طبيخ .
شاعرنا ( المُتعاقل ) أي المُكابر كنص حضاري أكثر صُدقاً ـ أنساناً وشاعراً ـ وكم وددْتُ وأُبارك هكذا نصوص لأننا ،،،،
كم ضقنا ذرعاً مِن أَننا أجسادٍ ولُغات نسقط أمام كل توبة وحوبة وإنابة بعالم لعين وحماقة إيمان وأعظم الفِخاخ هو فخ أننا مخلوقات نذر وحصتنا كل أنواع العذابات وزنابقنا لم تَعدْ تُرمم مساءاتنا اليتيمة .
أما موسيقى القصيدة ـ رائعة جداً بَدتْ مسترسلة لا مستقطرة ، كما أُحسد الشاعر على هذا النفس الطويل بكتابة النص وتحياتي لكل الأساتذة ولشاعرنا الرائع / تحيات نور السعيدي
سياحة في عالم الغرب
*****************************
إيها المشرط الدامي
مهﻻ ....
ﻻ تسفك دمي
كومة من القش قلبي
فﻻ تظرم النار جنبي
رغبتي خنقتها العبرة
وأدمت ساحل الجفون شهقة
وقاربني الموت بالتمني
أشتهي فﻻ أستجيب لشهوتي
مجرد قطعة حلوى تميتني
فيتهاوى عرشي المتهالك
حتى يتﻻشى بين ذرات التراب
ويعلن السياحة في عالم الغرب
هناك سنبوح بكل ذنب
هناك تتقلب القلوب
بين أنهار من لبن
او في حفر من نار
في ذلك الزحام تتطاول اﻷعناق
وهنيئا لمن ينتشله النور
من بين تلك الجموع المسمرة العيون
تهبط الشفاعات لمن يأذن بها الرحمن
يبرز اﻷتقياء لينتشلوا مواليهم من الواقعة
هناك تتصفح الوجوه
ينادي المنادي يا فﻻن بن فﻻن هلم إلينا
ترجف القلوب ويشيب الولدان
وتشخص اﻷبصار للواحد القهار
والكل إلى رحمته صائرون
مثقلة أجسادنا من كثرة الذنوب
تتهاوى من وقع الهجير
يأمل الموالون أنقاذهم
وأذا بفارس بﻻ كفين
يظم راية بين الزند والوتين
رجﻻه تخطان اﻷرض
نوره يسعى بين يديه
أشار ﻷصعد خلفه
ألم تكن أنت من الموالين
أي والله
فذهب الروع عني وهزني بكاء و عويل
فقادني إلى ذلك المكان الرهيب
وجوه أثقلتها أنوار التقوى
ﻻتسمع فيها إﻻ سﻻما قوﻻ من رب رحيم
ولدان مخلدون
وحور لم ترى مثلها العيون
وحدائق غناء بالتين والزيتون
وأنهار ﻻ يصفها الواصفون
جنة كما وعد النبيون
قيل هنا مكانك
حتى ينفخ أسرافيل
وزارني كل عاشق جميل
أذهلني أن الكل متشابهون
وجوه ناعمة إلى ربها راغبة
هذا هو الوعد المكتوب
وكل ذنب هناك مغفور
يا من في القبور
هل رأيتم حقا تلك القصور
نعم يسكنها المتقون
الراكعون الساجدون
اللهم أجعلنا من الراكعين الساجدين

تقديم موجز،لاخر قصائد كاظم الحجاجا لتي قرأها في مهرجان الجواهري الاخير..بقلم / الاديب الناقد غازب احمد الموسوي



تقديم موجز،
لاخر قصائد كاظم الحجاج
التي قرأها في مهرجان الجواهري الاخير..
،،،
لايفهم مبنى هذا الشاعر المنهمر الا شريحة بالغة الخصوصية ،اما مضامينه فلا أظن عراقياً على وجه الخصوص لا يحس عميقاً بأن كاظم الحجاج كان في إجماله الشعري يلامس دخيلته بل ويعبر عن اخص هواجسه،ولكن بلغة الشعب كله الذي كان ومايزال مصراً على مخاطبته محورياً،بعيداً عن التكلف والتعسف والتقعيب والتقعير والزخارف الاستعراضية الفارغة..انه لايغترف الا من روح الواقع ،بكل احزانه وخواطره الدفينة التي يطرحها بجرأة وبسالة نادرة،في اعماق الحدث الراهن بقلب الوطن الراعف، ليس في السياسة ولا انطلاقا منها،بل فضحاً وكشفا لاحابيلها ودفائنها ،يقول كل مايقول ممثلا عن بلده تاريخاً وفولكلوراً واحساساً عراقياً محضاً،بصياغات عالية الموسيقى ولكنها حرة من دون قيود مسبقة،كاسراً بها المعتاد،مقارباً المحكية موازياً لها صاعداً بها،الى روح الوعي النوعي بالسرد والدراما والحوار والادانة والاحتجاج ..
وكثيراً ما قرأت استغراب البعض من هذه الخصوصية الكاظمية،حد سوء الفهم لهذا الشاعر الكبير..ولا اكشف سراً حين اقول ان بساطات الحجاج التعبيرية هي سره العميق لانها تنطوي على اعماق الشعور الانساني الجمعية الدفينة ..
بالاجمال ان شجاعة الحجاج التعبيرية نابعة في حقيقتها من عدم رضوخه للانوية الاستعراضية،واصراره على الوصول الى اوسع الشرائح الاجتماعية نازلاً الى الناس،متمسكاً بألاصل الحداثوي الذي ينحاز الى ان غاية الفن عموما والادب خصوصاً هي الانسانية الطيبة..وليس بعيداً عن الذاكرة مقولة فيشر" كلما اقترب الشاعر من محليته اكثر اقترب من عالميته اكثر"..
وهاهو يغترف من التاريخ المحلي اسطورة وواقعاً،ومن الفولكلور والمناخات الشعبية من اقصى الشمال الوطني الى اقصى اهوار الجنوب،بروح عاشقة دافقة لاوصف يناسبها الا جغرافية العراق وشعب العراق..
حفظ الله الحجاج النبيل،وبارك الله الناشر والمنشور ،والسلام..
قصيدة الشاعر كاظم الحجاج التي القاها في مهرجان الجواهري الذي عُقِدَ في بغداد مؤخراً:.
نشيد أخير
كاظم الحجاج
هذا في المتحف :
نايٌ من قصب الأهوار، رفيعٌ شبرين، بطول رضيع .. 
وحزين ، كيف غناءُ المعدان.
كانت شفتا ( ننسونَ) – إلهةِ سومر – تنفخه فيَئنّ لها:
(( العاليات انزلن . والمايطيرن طرَن ..)).
وقيثارة ، في أصابع عذراءَ – حفيدةِ ( فدعه) - ..
... وهي تمسح قبر أخيها الشهيد الوسيم - :
(( بعدَكْ حلو . لو جالك الدود ؟ )) ..
.. ووقوراً يفيض الفراتُ ، نزولاً من الله ، لا مِن بلاد الجبال – الشمال .. 
( لم تكن ولدتْ بعد تلك البلاد) ..
وما كان ( كارون) – في الشرق – نهرَ أَحد ..
* * *
والآن :
لا في المتحف ، بل بعد سبعة آلاف عام ؛
لون الماء صغير في النهرين وفي الأهوار ..
والمشحوف – الحوت الأوّل – مغروس في الطين ..
والأسماك :
الشبوّط . الكطّان . البنّي . الحمري ..
تبحث في أنهار الجيران العطّاشينْ
.. عن لقمة ماء !
* * *
يا أيّها النوّاب . أيّها ( المجرَّبونَ)
والذين لم يُجرَّبوا . يا أيّها النوّاب .
ولا تقتربوا من نصب ( جواد سليم) . بعد الآن !
عودوا الى مطابخ بيوتكم ..
ولْتخجلوا . إن كان بها جِبنٌ أو لبن ..
من ( سدّ أليسو ) ..
أو تمرٌ أسود ، من نخل الجيران ْ ..
حزنانُ على سيّدهِ .. تمرِ البصرة .. يا نوّاب !
* * *
وأنا . سوف أصيح . بعلوّ الناي . وحزن المعدان :
يا أحزاب الشيعة . يا أحزاب السنّة . يا أحزاب الأكراد :
ألف عوافي !..
فلْتقتسموا بغداد !
لكنْ. لن تقتسمونا!
وأنا . – بين القيثارة والناي - ..
سأصعد فوق الزقّورة ؛
أتلو نشيدي الأخير :
في البدء كان الرافدانْ
وكانت الدنيا دخان
لا بارقٌ خلف المدى . والأفق ضاقْ
حتى بدا – مثل الندى وجهُ العراق!
2018/6/24

همسة على بيت: قراءة لابيات الشاعر حسين ديوان الجبوري بقلم / الاديب الناقد غازي احمد الموسوي

همسة على بيت:
-----------
لو قارنا البيت الاخير خصوصاً لهذه الومضة العمودية مع لوامع الشعر العربي لوقف معها موقف الند للند لما ينطوي عليه من عجيب الانزياحات البلاغية والإلماحات الطريفة الموحية..
ولقد افردناه لكي يكون دالة مضيئة ومثابة أدلى بها مستقبل شاعر بات منظوراً..اعني ان هذا البيت لم يكن دلالة على شاعر واعد وحسب..كلا..انه دلالة على اننا بإزاء شاعر أوشك على التحقق بالقريض ايضاً،بعد ان تحقق وصار من اعلام قصيدة النثر في هذا العالم الافتراضي الذي بين ايدينا ،والذي بات يضم اه
م عشاق الحرف من الكبار..
وعوداً على ذي بدء نعود الى موضوع الحوار فنقول:
"أنا من مارج العشاق"..تناص واقتباس وتخريج بالغ الخصوصية عن طريق التضاد الايجابي..فأصل الاية المقدسة ان الانسان من (حمأ مسنون..من صلصال كالفخّار)..وان الجانّ هو البعد المقابل،كونه مخلوق من ( مارج من نار)..فماذا فعل شاعرنا الاستاذ حسين الجبوري?..لقد قام بتحويل الصفات،مستعيراً صفة الجان التي رحّلها من موضعها ثم اسقطها على هيأة شريحته التي ينتمي اليها من العشاق..وهي لعمري عملية تصعيدية موحية وبارعة..وكانّه يريد ان يقول ان العاشق الموله سوف يتغير فسلجياً،فينتقل من حاله البشري المعتاد الى عوالم ومناخات وفسجلة المخلوق الموازي واعني الجنّ..فهو اذن تجاوز مستويات التشبيه الى الاستعارة بشقّيها..ولم يكن الامر تغليفاً او قناعاً او ترميزاً،كلا..انها فعالية تحويلية ماهيّة ،حتى ابعد من الحلول.."لقد تصَيّرَ هو بذاته"..واعني الجان..
هذا موجز مافي صدر البيت من الاشتغال البلاغي..
اما عجز البيت،فهو شاهق بلاغياً،حد الإدهاش..
كون الشاعر يُصوّر الصباح بشراً سويّاً كان ينام في احضان الليل ثم فزّ( استيقظ فجأة ) من نومته مستلماً لدورة حراسته،مالئاً بأضواءه الأفق الفسيح..
وتلك هي الانسنة او التشخيص في ابهى صورهما..واروع حيويتهما..بمعني اضفاء سمات الكائن الحي العاقل على مفردات وكائنات الطبيعةوالجمادات..وتحويلها الى كائنات حيوية فاعلة..وبعيداً عن التناص،لكون صورة شاعرنا متفردة مستقلة،ولكنها لشدة جمالها تذكرنا بابيات علي بن الجهم كمناخات بليغة ولذيذة ودفينة في ان واحد حيث يقول:
"هذا الصباح بدت بشائره
ولخيله في ليله ركض
.
لاتحسبوا لهوي على كبَرٍ
فعليّ من زمنِ الصبا قرْضُ"..
يلي البيت الاخير في خصوبته ولطيف اشاراته البيت ماقبل الاخير:
"فمن يدري سيفهم لوعتي ذي
ويفهم كيف تؤذيني جراحي"..
ويالها من صورة تعبيريه عن وجدان الشاعر،في جانب،ولكنها تكشف لنا في ذات الوقت امراً طريفاً ودقيقاً،موجزه،ان مشاعر واحاسيس العاشق لايدرك كنهها ومديات لوعتها وماتتركه من آثار موجعة جارحة الا مثيله من الصاعدين من مستويات الطين اللازب،الى المارج اللاهب..
بينا يشكل البيتان الاول والثاني مناخاً تمهيدياً،للولوج رويداً الى صلب الحالة المكتظة بالكثافات الشعورية والشعرية التي ذكرناها آنفاً..
اخي الشاعر حسين ديوان الجبوري..ماذا لو صعدنا بالبيتين الاول والثاني من طينتهما الحالية،الى مارج البيتين الاخيرين?!.. كيف سيكون هذا النص?!..
اجدت ،واعجبت كثيراً،والسلام..
سئمت الغدر من خل نساني
وقلب الصب مكسور الجناح
.
سكبت الدمع من لحظ رماني
أصاب القلب مسنون الرماح
.
فمن يدري سيفهم لوعتي ذي
ويفهم كيف تؤذيني جراحي
.
انا من مارج العشاق ناري
اذا ما فز من ليلي صباحي

من ارشيف الذاكرة: بقلم / الاديب غازي احمد الموسوي

من ارشيف الذاكرة:
-------------
مهداة الى اخويَّ
Jamal kyse .أ
وأ.Jassim Alsalman
وجميع الاصدقاء
مع التقدير 
------------------
لم يخرجوهم ،
الى ساحة التعداد هذا اليوم..
هو يعلم انها ليست اكثر من فرصة للمطامنة..
ولكنه راضٍ بحثاً عن نوع من التسكين..
فهذا هو الممكن الآن!!،
لذا فقد كان المرجل يتلظى بين أضلاعه،وماعاد قادراً حتى على المناورة..
إذ كان الحصار ضاغطاً بشكل مهول من الخارج، وكانت جمرة الدخيلة لاهبة هي الأخرى بما لايطيقه سوى نوع بالغ الخصوصية من الرجال ..
من هنا امسى كمن ينطوي على عبوة موشكة على الإنفجار!!..
كل ذلك في جانب ولكن وقوفها قبالته الآن كأبهى ماتكون ،وفي اعذب واشهى احوالها ،في جانب آخر..فلم يك قادراً البتة على زحزحة شبحها الملائكي لحظة واحدة ،
من هنا كان مضطراً الى رقصته الملوية المعتادة كنوع من الحل المؤقت..حتى اصابه الدوار فسارع الى الامساك بالقضبان بكلتا يديه ومن شدة حرقته والتياعه راح يهزُّها بقوة كمن يشعر بالإختناق..
كان الحرسيُّ قريباً جداً فبادره قائلاً..
- هل تظن انك قادر على اقتلاع القضبان ?!.. 
قال ذلك مبتسماً بنوع من السخرية المكتومة،وكان يفهم لغته تماماً،والاجدى ان لايجيبه،فهو يعلم ان الإجابة ستلقي به الى التهلكة،فلماذا يمثل دور البطل من غير طائل..إلا انه تمتم مع نفسه:
-الى متى ايها الشرق الغريب الأطوار?!.. 
هو يتذكر جيداً كيف ألقَوا به ذات ليل بهيم في الزنزانة الانفرادية الموصودة..
تلك التي تتصل بما لايطيب ذكره..
يكفي القول بان زخم الروائح،كان يمنع استذكاره لنوع السائل المحيط بهيكله العظمي المتبقي من جسده المتهالك.. ولهذا لم ينبس ببنت شفة قط..
بيد ان سؤال الحرسيِّ قد اسهم في إفلات مخيلته من حصار الدخيلة الهاصر،ولكنه في نفس اللحظة القى به في اتون حصار الواقع المقيت،فراح يسأل نفسه..
- ترى اي الحصارين اشدّ عليك ايها ال....
احيانا يحار بماذا يسمي نفسه وهو في هذه الحال،حيث المنفى الذي لاتصل اليه اجنحة الطير..لاخبر..لاصلة بالعالم الخارجي..لاصحيفة..لاتلفاز..كان هناك جهاز راديو تم دفنه بعيداً عن العيون،ولكنّ أحداً ما دلَّ عليه، فأخذوه، مثلما يُنتَزَع
قلب نابض من بين الضلوع..الحقيقة انهم كانوا مستعدين لتقديم انفسهم فداء لشدة اهميته ..فهو خيط الاتصال الوحيد ..بل ودليل الإنتماء الى الأحياء الوحيد أيضاً..
لكن ليسوا كلهم طبعاً،فها هو يتسائل مع نفسه..
- ترى هل أنت مستعداً يا....
- ماذا قلت...?!
خاطبه صاحب سجنه مندهشاً..
- لاشيئ ياصاحبي..كنت اغني فقط..
- وهل هذا نوع جديد من الغناء?!
- نعم ياعزيزي،انه نوع جديد!!
ضحكا معاً على انغام شرّ البلية،ثم ضربا كفّاً بكفٍّ..
إنها لحظات اكثر غرابة من عجائب الدنيا ..أن يضحكوا وهم في وسط الجحيم!!..
مع ذلك ،توسد كل منهما بطانيته الوحيدة ،واضعاً تحت رأسه كيسه الملئ باللاشئ، الا من بعض علب السجائر الفارغة..
- لا اعرف بالضبط ،لِمَ احتفظُ بهذه العلب الخاوية?!..
ثم كأنه تنبه الى أمر ما..
-هاااا..تذكرت الان..يبدو انني سأصاب بالزهايمر المبكر..
مدّ يده الى كتف صاحبه المغمض العينين على يقظة صامتة،اذ سرعان ما تلفت هذا الصاحب قائلاً:
-ماذا هناك?!...
-منذ متى نفظت جيوبك?!
- ذكرتني والله ،فلقد كانت على بالي ولكنني في قنوط!!..
وقفز كالملدوغ من فراشه الوثير جداً جداً ،خلعا قميصيهما معاً،ثم بدءا بتفتيش الجيوب عن " الفعفع"بحثاً عن ذرات التبغ المنثورة فيها..دفع صاحبنا يده داخل كيسه ،واعني وسادته الناعمة..اخرج احدى علب السجائر الفارغة..قرب كأس ماء غريب اللون والطعم والرائحة..غمس مقطعاً من علبة السجائر في الماء لحظات..قشع باطنها الابيض الرقيق..تركه حتى يجف رويداً.. صار قريبا من شكل لفافة التبغ..جمعا مابينهما من (الفعفع).. وضعاه على نيّة التبغ داخل اللفافة..كوّره بشكل دقيق وحذر بحرص شديد جداً..بلل حافّته من ريقه ..اغلق اللفافة جيداً.. مسّدها بلطف حميم ..ثم قدمها لصاحبه قائلاً:
- انت الاول ياصاحبي..
قالها كمن يقدم له حورية من الفردوس..راحا يتبادلان تقبيلها بشغف عجيب حد انهمار الرضاب الاسود الثقيل ،حتى اوشكت على ان تلفظ انفاسها الاخيرة..عندها وصلت رائحتها الزكية المثيرة لاحد النائمين ،فناداهما بخجل الملهوف..
- هل بقي شئ منها?!
- نعم ..تعال ..خذها..هذا المتبقي كله لك..
ولم يكن غير ذيلٍ من القطران،ولكنه تلقفها شاكراً ممتناً جذلاً،ثم توارى حتى زاوية الزنزانة لكي لايشاركه فطين آخر..
بينا القى صاحبنا 
راسه على كيس الثروة الحميم..اغمض عينيه على صورة معشوقته قائلا:
-كلي امل ان اراك ياحبيبتي بعد قليل!!
وضع يمينه تحت خده..بسملَ بصوت خفيض ،
ثم نام 
مثل محنط قديم!!...
..يتبع..


اغلفة العصيان قراءة في نص( من أرشيف الذاكرة )لغازي الموسوي بقلم / الروائي الناقد جمال قيسي

اغلفة  العصيان
قراءة في نص
( من أرشيف الذاكرة )
لغازي الموسوي
بقلم أ.الناقدJamal Jamal Kyse
،،،
لمرة اخرى ،،يضعني صديقي الشاعر والناقد الكبير غازي الموسوي ،،في متاهة ،،ليس بسبب الغموض الذي يلف نصوصه،،وهو امر يمكن لقارئ مثلي ان يسبر أغوارها ،،أقول الحق انا أتعذب ،،لعذاباته التي يغلفها ،،بتطرفات قصية ،،حتى تبدو عصية على المتلقي،،هو يكتم سره ،،فالزمن الذي يعيشه لايعطيه رخصة للبوح ،،ينثر رسائل الأوجاع السيزيفية ،،في النصوص،،التي يحملها الشفرات ،،كمن يحفر مسّلة بطلاسم ،،سيفك ألغازها. من أتى بوجع مشابه مع مكنة في اللغة والبلاغة ،،واليوم يطل علينا بمقطع سردي ،،ولكني سابوح ،،وأتكلم ،،ربما هو ارد البوح لكن بلسان. غيره ،،في هذا المرة سأتعامل. مع نص سردي،،بنقد سردي ،،معزز بقراءة متماهية مع النص يحكمها تصوري عن البعد السايكلوجي ،،
بطبيعة الحال غازي الموسوي ،،رجل خجول ،،تعرض لتجربة قاسية زادت من كتمانه ،،وفي عملية تصالح مع الذات ،،اتخذ المسرب الاستشراقي في التصوف،،وهذا واضح بمعظم نصوصه،،لكن التاريخ يابى ان يغادر التجربة الشخصية ،،فهو قبل تعرضعه ،،للتجربة الشخصية المريرة ،،مثقف منفتح على الحركة الثقافية العالمية،،فهو من جيل السبعينات عندما كان شابًا في الجامعة ،وهذا الجيل العراقي هو اكبر ثروة يمكن لبلد ان يحظى بها ،لولا ،،لولا ،،لعنت لولا ،،على قولة مظفر النواب ،،حيث انتقل الصراع القومي الشيوعي الذي كان يقتسم الساحة الاجتماعية العراقية المثقفة الى مستوى الإبادة ،،تحت ظل صعود الحزب الواحد والهيمنة التي افضت الى الدكتاتورية المريرة ،،ومن ثم الانزلاق بحرب ضروس ،،كانت حصيلتها خسارة العراق خيرة شبابها المثقف،،ان لم يكن قد قتل،،فانه وقع بالأسر ،،او حتى من نجا خرج بتعويق نفسي،،وجروح عميقة في الوجدان ،،الحصيلة ماذا ؟ ،،المثقف وجد نفسه في مسرح بيكيت بانتظار غودو ،،او في عوالم اليوت ،،في الارض اليباب ،،كان الامر على هذه الحالة لابأس به،،لكن السوء في زيادة،،اذ حلت دياجين القرون المظلمة ،،بالاسلمة السياسية ،،الاقصائية الدموية،،والتي اتخذت من جلد الذات،،بمحاكمة قاسية للتاريخ ،،في محاولة لفك عقده،،والأغبياء. لايعرفون ان الزمن قد مضى ،، ولاعودة لكل ما مضى،،من يفتقد فن التوقيت ،،فهو خاسر لا محالة،،،
غازي الموسوي،،هذه الروح الكبيرة ،،ما عرفت الراحة ،،تتنقل من زنزانة الى اخرى،،مع انخفاض مناسيب المقاومة بحكم الزمن،،
وعودة على النص،،فنيًّا وعلى قصر المقطع ،،نسمع صوت السارد الموضوعي العليم ،،في التبئير الخارجي،،لينتقل الى سارد ذاتي عليم ،،ليكون التبئير داخلي مع مشاركة لصوت آخر ،،مع اغراق في الوصف الغير مباشر،،اي بمعنى وصف بعمق سايكلوجي ،،على طريقة كافكا ،،في المحاكمة ،،،
والكافكوية ،،ظاهرة متفردة في علم السرد ،،لايمتلك ناصيتها الا القلة ،،حتى عندما تناولها باختين ،،عزل اُسلوب كافكا ،،عن محددات السرد،،واعتبرها ظاهرة خاصة ،،وانا برأي المتواضع هي مزيج بين الوصف والبعد السايكلوجي الذي يكاد يكتمل الا قليلا رغم الاغراق فيه ،،ليترك القارئ في لوعة غير مشخصة تعتيم شديد رغم كثرة الانارة ،،مع مسحة من أندريه بروتون لاحقاً ،،الشاعر السوريالي المهم ،،فأنت تشعر ان هناك شيء مفقود ،،رغم الكثرة التي بين يديك ،،وسأذكر. هنا معلومة قد قرأتها قبل عشرات السنين ،،ربما تنطبق على نص غازي الموسوي،،الكافكوي العراقي،،،تقول المعلومة ان احدى تجارب غسل الدماغ النفسية للجيش الامريكي ،،انهم جاؤوا بفصيل عسكري مثالي القدرات العقلية ،،الى قاعة سينما،،وتم عرض فلم سينمائي لهم وتعمد القائمون على التجربة برفع لقطة واحدة من نهاية كل مشهد ،،حتى لايشعر المشاهد ،،بالقطع،،،وعند انتهاء العرض كانت النتائج مذهلة،،فكل من شاهد الفيلم ،،اما اصبح بحالة هستيرية او من تلبسته الكآبة،،في نص غازي الموسوي كما في نصوص كافكا ،،تجعلك في حالة هستيرية،،اما اذا كنت متمرس فأنت من رهط الكآبة ،،
كان كافكا يهوديًا يعيش في ألمانيا ،،وهو يراقب صعود تيار النازية والمعاداة للسامية ،،ولأنه أديب كبير ومثقف رفيع. استشعر ببصيرته لما ستؤول له الامور،،فترجم حال اليهودي،،في غمرة العالم الذي ينوي سحق اليهودية ،،وكذلك مصرع الانسان العالق رغم عنه في هذا العالم السيء ،،وغازي الموسوي ،،مر بنفس التجربة مع اختلاف المعطيات،،
مع ان بعض الأصدقاء ،،أشار بشكل غير مباشر ،،الى ان النص ربما يجب ان ينسب الى السيرة الذاتية ،،في السرد،،ولكني اختلف معهم ،،الان غازي الموسوي لاتقل معاناته عن زنزانته الاولى،،ربما اتسعت الرقعة المكانية لكن القضبان كثرت،،والاسيجة تعددت ،،و الحرسي. تناسل الى عدد لايحصى ،،المقطع السردي على فخامته أغرقه غازي الموسوي ،،بالبلاغة الشعرية،،ولا عجب فهو شاعر فذ،،ومتمكن من ناصية اللغة،،،
انا قرأته دعوة للعصيان والرفض،،،لكن برشاقة ودماثة عرف بها ،،هذا الانسان الرقيق،،صاحب المشاعر اللطيفة ،،
تحياتي سيدي،،،،
جمال قيسي / بغداد
…………………………………………………………………………………………………………
لم يخرجوهم ،
الى ساحة التعداد هذا اليوم..
هو يعلم انها ليست اكثر من فرصة للمطامنة..
ولكنه راضٍ بحثاً عن نوع من التسكين..
فهذا هو الممكن الآن!!،
لذا فقد كان المرجل يتلظى بين أضلاعه،وماعاد قادراً حتى على المناورة..
إذ كان الحصار ضاغطاً بشكل مهول من الخارج، وكانت جمرة الدخيلة لاهبة هي الأخرى بما لايطيقه سوى نوع بالغ الخصوصية من الرجال ..
من هنا امسى كمن ينطوي على عبوة موشكة على الإنفجار!!..
كل ذلك في جانب ولكن وقوفها قبالته الآن كأبهى ماتكون ،وفي اعذب واشهى احوالها ،في جانب آخر..فلم يك قادراً البتة على زحزحة شبحها الملائكي لحظة واحدة ،
من هنا كان مضطراً الى رقصته الملوية المعتادة كنوع من الحل المؤقت..حتى اصابه الدوار فسارع الى الامساك بالقضبان بكلتا يديه ومن شدة حرقته والتياعه راح يهزُّها بقوة كمن يشعر بالإختناق..
كان الحرسيُّ قريباً جداً فبادره قائلاً..
- هل تظن انك قادر على اقتلاع القضبان ?!.. 
قال ذلك مبتسماً بنوع من السخرية المكتومة،وكان يفهم لغته تماماً،والاجدى ان لايجيبه،فهو يعلم ان الإجابة ستلقي به الى التهلكة،فلماذا يمثل دور البطل من غير طائل..إلا انه تمتم مع نفسه:
-الى متى ايها الشرق الغريب الأطوار?!.. 
هو يتذكر جيداً كيف ألقَوا به ذات ليل بهيم في الزنزانة الانفرادية الموصودة..
تلك التي تتصل بما لايطيب ذكره..
يكفي القول بان زخم الروائح،كان يمنع استذكاره لنوع السائل المحيط بهيكله العظمي المتبقي من جسده المتهالك.. ولهذا لم ينبس ببنت شفة قط..
بيد ان سؤال الحرسيِّ قد اسهم في إفلات مخيلته من حصار الدخيلة الهاصر،ولكنه في نفس اللحظة القى به في اتون حصار الواقع المقيت،فراح يسأل نفسه..
- ترى اي الحصارين اشدّ عليك ايها ال....
احيانا يحار بماذا يسمي نفسه وهو في هذه الحال،حيث المنفى الذي لاتصل اليه اجنحة الطير..لاخبر..لاصلة بالعالم الخارجي..لاصحيفة..لاتلفاز..كان هناك جهاز راديو تم دفنه بعيداً عن العيون،ولكنّ أحداً ما دلَّ عليه، فأخذوه، مثلما يُنتَزَع
قلب نابض من بين الضلوع..الحقيقة انهم كانوا مستعدين لتقديم انفسهم فداء لشدة اهميته ..فهو خيط الاتصال الوحيد ..بل ودليل الإنتماء الى الأحياء الوحيد أيضاً..
لكن ليسوا كلهم طبعاً،فها هو يتسائل مع نفسه..
- ترى هل أنت مستعداً يا....
م- ماذا قلت...?!
خاطبه صاحب سجنه مندهشاً..
- لاشيئ ياصاحبي..كنت اغني فقط..
- وهل هذا نوع جديد من الغناء?!
- نعم ياعزيزي،انه نوع جديد!!
ضحكا معاً على انغام شرّ البلية،ثم ضربا كفّاً بكفٍّ..
إنها لحظات اكثر غرابة من عجائب الدنيا ..أن يضحكوا وهم في وسط الجحيم!!..
مع ذلك ،توسد كل منهما بطانيته الوحيدة ،واضعاً تحت رأسه كيسه الملئ باللاشئ، الا من بعض علب السجائر الفارغة..
- لا اعرف بالضبط ،لِمَ احتفظُ بهذه العلب الخاوية?!..
ثم كأنه تنبه الى أمر ما..
-هاااا..تذكرت الان..يبدو انني سأصاب بالزهايمر المبكر..
مدّ يده الى كتف صاحبه المغمض العينين على يقظة صامتة،اذ سرعان ما تلفت هذا الصاحب قائلاً:
-ماذا هناك?!...
-منذ متى نفظت جيوبك?!
- ذكرتني والله ،فلقد كانت على بالي ولكنني في قنوط!!..
وقفز كالملدوغ من فراشه الوثير جداً جداً ،خلعا قميصيهما معاً،ثم بدءا بتفتيش الجيوب عن " الفعفع"بحثاً عن ذرات التبغ المنثورة فيها..دفع صاحبنا يده داخل كيسه ،واعني وسادته الناعمة..اخرج احدى علب السجائر الفارغة..قرب كأس ماء غريب اللون والطعم والرائحة..غمس مقطعاً من علبة السجائر في الماء لحظات..قشع باطنها الابيض الرقيق..تركه حتى يجف رويداً.. صار قريبا من شكل لفافة التبغ..جمعا مابينهما من (الفعفع).. وضعاه على نيّة التبغ داخل اللفافة..كوّره بشكل دقيق وحذر بحرص شديد جداً..بلل حافّته من ريقه ..اغلق اللفافة جيداً.. مسّدها بلطف حميم ..ثم قدمها لصاحبه قائلاً:
- انت الاول ياصاحبي..
قالها كمن يقدم له حورية من الفردوس..راحا يتبادلان تقبيلها بشغف عجيب حد انهمار الرضاب الاسود الثقيل ،حتى اوشكت على ان تلفظ انفاسها الاخيرة..عندها وصلت رائحتها الزكية المثيرة لاحد النائمين ،فناداهما بخجل الملهوف..
- هل بقي شئ منها?!
- نعم ..تعال ..خذها..هذا المتبقي كله لك..
ولم يكن غير ذيلٍ من القطران،ولكنه تلقفها شاكراً ممتناً جذلاً،ثم توارى حتى زاوية الزنزانة لكي لايشاركه فطين آخر..
بينا القى صاحبنا 
راسه على كيس الثروة الحميم..اغمض عينيه على صورة معشوقته قائلا:
-كلي امل ان اراك ياحبيبتي بعد قليل!!
وضع يمينه تحت خده..بسملَ بصوت خفيض ،
ثم نام 

مثل محنط قديم!!...